أن ينم ذلك عن سذاجة من العميد الذي عمل مع هؤلاء
الزعماء لمدة أربع سنوات متواصلةوهو
لايجهل بالطبع إن هؤلاء إنما يمثلون العصارة
المركزة للفساد والخيانة في أفغانستان، وأن ما يشغلهم فقط هو مصالحهم الشخصية وتكديس
الأموال والسلاح والمتاجرة بالدماء الأفغانية في"بازار""حروب الوكالة"الدولية.
إن تشكيل قوة مركزية ضاربة كان بلا شك خطرا مباشرا يهدد مكانة هؤلاء الزعماء، فتلك القوة
سوف تكون محور العمل وثقل الحركة ومهوى أفئدة الأفغان، ومطمح القوى الدولية، فسوف
تزوى شمس هؤلاء الزعماء المصطنعين في بيشاور.
وعلى الجانب الآخر فإن قادة الداخلفي
معظمهم، لن يرحبوا بالفكرة بعد أن تحول القتال إلى
"عمليات مقاولة"حيث تتم كل عملية على حدة بناء على إتفاق منفصل مع الإستخبارات
الباكستانية في مقابل كميات معلومة من السلاح والأموال.
كما أن اللعب على كل الحبال أصبح وقتها لعبة مفضلة إتقنها كثيرون. فهم مع القوات
الشيوعية يوما، في السرأو في العلن، ثم مع أحزاب بيشاور يوما آخر. ومع كل إنتقال يجنون
الأموال والسلاح والسيارات.
كان أكثر ما يخشاه زعماء بيشاوروكذلك
حكومة باكستانهو
أن تبرز قيادة ميدانية في
أفغانستان تتجمع حولها مجموعات المجاهدين ثم تستقل بقرارتها العسكرية والسياسية وليس
أفضل من تلك القوة المركزية كي يبزغ من خلالها زعامة شاملة للمجاهدين.
وكم قامت زعامات بيشاوربمساعدة
باكستانية في أغلب الحالاتبعمليات
إغتيال لزعامات
ميدانية بارزة كانت محل شك في سعيها نحو الإستقلال بالقرار والتخطيط.
أما عن عدم سماح أكثر قيادات الداخل لقوات أخرى بعبور أراضيها أو إستخدامها في
العمليات فهو أمر صحيح؛ وسببه كما ذكرنا هو التنافس على المقاولات القتالية، فكل"قومندان"
يسعى إلى الإستئثار بأرباح العمليات في منطقته. ولكن الأمر لم يكن كذلك في بدايات الجهاد
حيث لم يكن الجهاد قد تحول إلى إرتزاق وكانت المشاعر الدينية في أوجها، وكانت الساحة
تذخر بعدد كبير من العلماء.