عبدالرحمن أفصح بسرعة عما في نفسه قائ ً لا: هذا الرجل لا أرتاح إليه .. لقد إستدرجنا إلى
كمين .. سرى القلق في نفوس الجميع .. وحاول (عبيد الله) أحد أفراد المجموعة وأقلهم مي ً لا إلى
الكلام، حاول أن يهديء من مخاوف عبدالرحمن. ولكن إختفاء الرجل في هذه اللحظة بالذات
وتصرفاته الإستفزازية طوال الرحلة جعلت الجميع يعتقد في صحة ما قاله عبدالرحمن.
مرت اللحظات ثقيلة وإستمرت المصفحات تقترب من بعيد وقد أثارت حولها سحبًا عالية من
التراب. وتواردت الظنون لتزيد القلق، فإذا كان هناك كمين فلن يقتصر على تلك الوحوش
الفولاذية التي تنهب الأرض في طريقها إلينا. لا بد أن هناك شيئًا آخر قد يكون على مقربة
مّنا في الوادي أو ... ربما على التلال القريبة.
بدأت الأعين تبحث في كل شيء يحيط بنا في السهل في التلال، في الجبال القريبة. وغياب
القومندان جعل الشكوك تتأكد.
وفجأة إنحرفت مسيرة المصفحات جهة الشمال وظلت تواصل المسير حتى إختفت داخل أجمة
كثيفة من الأشجار حيث تتواجد قيادة المدرعات في (خوست) .
تراجعت المجموعة بهدوء حتى وصلت إلى بداية سلسلة الجبال كان الحر شديدًا وشمس
الظهيرة قد طردت من أجسامنا آخر قطرة ماء. وإبيضت شفاة الشباب وصار الكلام يخرج
بصعوبة. في ظل أحد الأشجار الشوكية بدأ عمر ينظم الخرائط ويتأكد من صحة المواقع ويضع
بعض علامات ورموز على الأوراق .. ثم أعلن نهاية رحلة الإستكشاف لهذا اليوم وطالبهم
بالتهيؤ للمسير .. ولكن كيف؟ .. والدليل قد إختفى؟. قرروا العودة من نفس الطريق الذي قدموا
منه وأبديت لهم شكي في نجاح هذا العمل فليس من اليسير تذكر معالم هذا الطريق الطويل
الذي إستغرق أكثر من خمس ساعات في متاهات جبلية يبدو أن قدما لبشر لم تطأها من
قبل. ترددوا بعض الشيء ولكن لم يكن هناك ح ً لا آخر.
بدأنا المسير وسيطر على فكري وجود الماء فنحن في حاجة شديدة إلى الماء والأودية القريبة
كلها جافة ولمسيرة ساعة أو أكثر. فماذا لو ضللنا الطريق ولم نصادف الماء؟؟.
بينما الصمت يلف المجموعة والأقدام تنتزع من الأرض إنتزاعًا وتوقف الجميع عن الكلام تحت
وطأة العطش والجوع والتوتر. جاء صوت مألوف يصيح بمرح ليس له مبرر:
أين تذهبون؟ .. هل تتركونني؟
يا للمفاجأة .. إنه (قومندان صاحب) .. نظرنا خلفنا فإذا به يندفع من فوق قمة قريبة كجلمود
من الصخر. كتم الجميع غيظهم.
أين كنت؟
لقد تركتكم تراقبون وذهبت لأستريح قلي ً لا في ظل الأشجار.