لم يعرنا إهتمامًا كثيرًا وتقدم الركب وهو بادي النشاط والمرح ..
يبدو عليكم الإرهاق .. الإستطلاع يحتاج إلى رجال أقوياء .. مازلتم صائمون؟.تماسك الجميع
بصعوبة وأخذ (عبيدالله) يزمجر وكذلك (عبدالرحمن) وأسرع (عمر) لتدارك الموقف:
نحن متعبون ونريد طريقًا مختصرًا للعودة إلى المركز.
هذا شيء بسيط .. هناك طريق يوصلنا إلى المركز بعد ساعة واحدة .. هل تحبون المسير فيه؟
ساعة واحدة؟؟
علت الدهشة وجوه الجميع، فقد سار بنا أكثر من خمسة ساعات في الصباح، فلماذا لم يسلك بنا
هذا الطريق المختصر؟.
أصبح التوتر باديًا على الجميع حتى (عمر) الصبور لمعت عيناه وكاد أن ينفجر في وجه
"قومندان صاحب". ضحك القومندان وأدرك ما يدور في النفوس. فسار مسرعًا الخطى ..
وأخذ يغني بمرح أغاني جبلية جميلة .. لكنها لم تفلح في الترويح عّنا.
دار بنا على سلسلة الجبال لمسافة كيلومترات قليلة ثم نزل فجأة إلى الوادي عبر أحد الشعاب
الضيقة الوعرة .. نظرنا إلى جهة اليمين على بعد ثلاثة كيلومترات في الوادي هناك مركز قوي
للعدو مهمته مراقبة المنطقة. لفت (عبيد الله) نظر (قومندان صاحب) إلى هذا الأمر، فلم يهتم
كثيرًا .. عبدالرحمن تقدم بسرعة حتى صار خلف (القومندان) ثم بدأ يتكلم بالعربية التي
لا يفهمها القومندان:
إنه سيسلمنا هذه المرة بيده إلى كمين.
كان يبدو كلام عبدالرحمن صحيحًا. فقد أصبحنا في الوادي مرة أخرى وفي منطقة يسيطر
عليها الجيش. مد الشباب أيديهم بهدوء وحرك كل منهم جزء الأمان في بندقيته لتصبح جاهزة
للإطلاق. شعر القومندان بتوتر الشباب وبقعقعة السلاح من خلفه ظل يسير بلا مبالاة ويصدح
صوته بأغنيات بدت لنا أشد نكرا من إنفجارات الصواريخ. ثم إنحرف يسارًا في وادي كثيف
الأشجار تفجرت منه ينابيع غزيرة. قفزنا إلى الماء لإطفاء حرارة أجسامنا التي كادت أن
تشتعل من الحرارة وفقدان المياه. أوقفنا القومندان وأشار إلى نبع قريب يخرج ماءه من باطن
الجبل وقال هذا أفضل. شربنا من الماء حتى أنهكنا الشرب .. وإرتمينا على الحشائش بلا حراك
وبلا حديث.
أشار القومندان بإصبعه على إمتداد الوادي جهة الجنوب قائ ً لا: على بعد ثلاثة كيلومترات ينتهي
الوادي وتبدأ حدود المركز .. يمكنكم إكمال المسير إلى هناك فنحن الآن تقريبا في المعسكر.
نظرنا إلى حيث أشار .. لقد كان قوله صادقًا. فقد بدت بعض القمم التى نألفها ... شعرنا بإرتياح