فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 1926

حَتَّى تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ

فَجَعَلَ وُجُودَ الْحَيْضِ عِلْمًا لِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْ الْحَبَلِ فَثَبَتَ أَنَّ الْحَمْلَ والحيض لا يجتمعا وَمَتَى حَمَلَتْ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَائِضٌ ارْتَفَعَ الْحَيْضُ ولا يكون الدم الموجود من الْحَبَلِ حَيْضًا وَإِنَّمَا يَكُونُ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُك إنَّ خُرُوجَهَا مِنْ الْحَيْضِ إلَى الطُّهْرِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى بَرَاءَةِ رَحِمِهَا قَوْلٌ خَطَأٌ وَأَمَّا اسْتِشْهَادُهُ بِقَوْلِ تَأَبَّطَ شَرًّا فَإِنَّهُ مِنْ الْعَجَائِبِ وَمَا عِلْمُ هَذَا الشَّاعِرِ الْجَاهِلِ بِذَلِكَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وقال تعالى عالِمُ الْغَيْبِ يَعْنِي أَنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ذَلِكَ دُونَ خَلْقِهِ وَأَنَّ الْخَلْقَ لَا يَعْلَمُونَ مِنْهُ إلَّا مَا عَلَّمَهُمْ مَعَ دَلَالَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى انْتِفَاءِ اجْتِمَاعِ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ إنَّمَا هِيَ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَبَلِ وَالطُّهْرُ لَا اسْتِبْرَاءَ فِيهِ لِأَنَّ الْحَمْلَ طُهْرٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِالْحَيْضِ الَّتِي هِيَ عِلْمٌ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَبَلِ إذْ لَيْسَ فِي الطُّهْرِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ بِالْأَقْرَاءِ اسْتِبْرَاءٌ أَنَّهَا لَوْ رَأَتْ الدَّمَ ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَبَلٌ كَانَتْ الْعِدَّةُ هِيَ الْحَبَلُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ لِذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ إنَّمَا هِيَ اسْتِبْرَاءٌ مِنْ الْحَبَلِ وَالِاسْتِبْرَاءُ مِنْ الْحَبَلِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحَيْضِ لَا بِالطُّهْرِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ لِلصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ وَلَيْسَ بِاسْتِبْرَاءٍ وَالْمَعْنَى الْآخَرُ أَنَّ الطُّهْرَ مُقَارِنٌ لِلْحَبَلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا يَقَعُ بِمَا يُقَارِنُهُ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِمَا يُنَافِيهِ وَهُوَ الْحَيْضُ فَيَكُونُ دَلَالَةً عَلَى بَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْ الْحَبَلِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ بِالْحَيْضِ دُونَ الْأَطْهَارِ وَاحْتَجَّ مَنْ اعتبر الأطهار بقوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ حِينَ طَلَّقَ ابْنُهُ امْرَأَتَهُ حَائِضًا مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَدَعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا إنْ شَاءَ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تطلق بها النِّسَاءُ

قَالَ فَهَذَا يَدُلُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى أَنَّهَا بِالْأَطْهَارِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ الطَّلَاقَ فِي الطُّهْرِ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الطُّهْرِ دُونَ الْحَيْضِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ بِالْأَطْهَارِ دُونَ الْحَيْضِ وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَذَلِكَ عَقِيبَ الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُحْصَى هُوَ بَقِيَّةَ الطُّهْرِ وَهُوَ الَّذِي يَلِي الطَّلَاقَ فَيُقَالُ لَهُ أَمَّا قَوْلُك فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ فَإِنَّ اللَّامَ قَدْ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لِحَالٍ مَاضِيَةٍ وَمُسْتَقْبَلَةٍ أَلَا تَرَى إلَى

قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ

يَعْنِي لِرُؤْيَةٍ مَاضِيَةٍ وَقَالَ تَعَالَى وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها يعنى الآخرة فاللام هاهنا لِلِاسْتِقْبَالِ وَالتَّرَاخِي وَيَقُولُونَ تَأَهَّبَ لِلشِّتَاءِ يَعْنِي وَقْتًا مستقبلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت