فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 1926

بَابُ الْمُكَاسَبَةِ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ فِيهِ إبَاحَةُ الْمَكَاسِبِ وَإِخْبَارٌ أَنَّ فِيهَا طَيِّبًا وَالْمَكَاسِبُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا إبْدَالُ الْأَمْوَالِ وَإِرْبَاحُهَا وَالثَّانِي إبْدَالُ الْمَنَافِعِ وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إبَاحَتِهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ نَحْوُ قَوْله تعالى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وقَوْله تَعَالَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالَ تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ يعنى والله أعلم من يتجر ويكرى ويحتج مَعَ ذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى فِي إبْدَالِ الْمَنَافِعِ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَقَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ

وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا فَيَحْتَطِبَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ

وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ فِي قَوْله تَعَالَى أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ أَنَّهُ مِنْ التِّجَارَاتِ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَعُمُومُ هَذِهِ الْآيَةِ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ لأن قوله تعالى ما كَسَبْتُمْ يَنْتَظِمُهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ فِي الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ فِيهَا فَهُوَ عُمُومٌ فِي أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ مُجْمَلٌ فِي الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ فِيهَا فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى الْبَيَانِ وَلَمَّا وَرَدَ الْبَيَانُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِكْرِ مَقَادِيرِ الْوَاجِبَاتِ فِيهَا صَحَّ الِاحْتِجَاجُ بِعُمُومِهَا فِي كُلِّ مَالٍ اخْتَلَفْنَا فِي إيجَابِ الْحَقِّ فِيهِ نَحْوُ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ وَيُحْتَجُّ بِظَاهِرِ الْآيَةِ عَلَى مَنْ ينفى إيجاب الزكاة في العروض ويحتج فيه أَيْضًا فِي إيجَابِ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَفِي كُلِّ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قوله تعالى أَنْفِقُوا الْمُرَادُ بِهِ الصَّدَقَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ يَعْنِي تَتَصَدَّقُونَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّدَقَةُ وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ قَالَ إنَّ هَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّ الْفَرْضَ إذَا أُخْرِجَ عَنْهُ الرَّدِيءَ كَانَ الْفَضْلُ بَاقِيًا فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُؤَدَّى وَهَذَا عِنْدَنَا يُوجِبُ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّفْلِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ قَوْلَهُ أَنْفِقُوا أَمْرٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ النَّدْبِ وَقَوْلَهُ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ لا دلالة فيه عَلَى أَنَّهُ نَدْبٌ إذْ لَا يَخْتَصُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت