فهرس الكتاب

الصفحة 999 من 1926

يُهَاجِرُونَ إلَى الْمَدِينَةِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُمْ ظَالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِنِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَبِتَرْكِهِمْ الْهِجْرَةَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَرْضِ الْهِجْرَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِهَا وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُكَلَّفُونَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِهَا لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ ذَمَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى تَرْكِ الْهِجْرَةِ وَهَذَا نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى فَذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا ذمهم على ترك الإيمان ودل بذلك عَلَى صِحَّةِ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِهِ وَلَمَا قَرَنَهُ إلَى مُشَاقَّة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْمُقَامِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَرْضِ الشِّرْكِ إلَى أَيِّ أَرْضٍ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ تَخَلَّفُوا عَنْ الْهِجْرَةِ وَأَعْطَوْا الْمُشْرِكِينَ الْمَحَبَّةَ وَقُتِلَ قَوْمٌ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ عَلَى ظَاهِرِ الرِّدَّةِ

ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُمْ الَّذِينَ أَقْعَدَهُمْ الضَّعْفُ بِقَوْلِهِ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا يَعْنِي طَرِيقًا إلَى الْمَدِينَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ

وقَوْله تَعَالَى فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ قَالَ الْحَسَنُ عَسَى مِنْ اللَّهِ وَاجِبَةٌ وَقِيلَ إنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَعْدِ لِأَنَّهُ لَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْ شَكٍّ وَقِيلَ إنَّمَا هَذَا عَلَى شَكِّ الْعِبَادِ أَيْ كُونُوا أَنْتُمْ عَلَى الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ

قَوْله تَعَالَى وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً قِيلَ فِي الْمُرَاغَمِ إنَّهُ أَرَادَ مُتَّسَعًا لِهِجْرَتِهِ لِأَنَّ الرَّغْمَ أَصْلُهُ الذُّلُّ تَقُولُ فَعَلْت ذَلِكَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ فُلَانٍ أَيْ فَعَلْته عَلَى الذُّلِّ وَالْكُرْهِ وَالرَّغَامُ التُّرَابُ لِأَنَّهُ يَتَيَسَّرُ لِمَنْ رَامَهُ مَعَ احْتِقَارِهِ وَأَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ أَيْ ألصقه بالتراب إذ لا لا لَهُ فَقَالَ تَعَالَى وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً أَيْ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُتَّسَعًا سَهْلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ فَمُرَاغَمٌ وَذَلُولٌ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى وَقِيلَ فِي الْمُرَاغَمِ إنَّهُ مَا يُرْغَمُ بِهِ مَنْ كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْهِجْرَةِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى وَسَعَةً فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالضَّحَّاكِ أَنَّهُ السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ السَّعَةُ فِي إظْهَارِ الدِّينِ لِمَا كَانَ يَلْحَقُهُمْ مِنْ تَضْيِيقِ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ حَتَّى يَمْنَعُوهُمْ مِنْ إظْهَارِهِ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت