فهرس الكتاب

الصفحة 530 من 1926

اقْتَضَاهُ نَهْيُهُ عَنْ الْإِفْصَاحِ بِالْخِطْبَةِ مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ كَدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ عَلَى حَظْرِ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ وَأَمَّا وَجْهُ انْتِقَاضِهِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْعُقُودَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلْجَوَابِ لَا تَصِحُّ بِالتَّعْرِيضِ وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارَاتُ لَا تَصِحُّ بِالتَّعْرِيضِ وَإِنْ لَمْ تَقْتَضِ جَوَابًا مِنْ الْمُقِرِّ لَهُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ مَا يَقْتَضِي مِنْ ذَلِكَ جَوَابًا وَمَا لَا يَقْتَضِيهِ فَعَلِمْت أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي الْمُرَادِ بِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ مُوَاعَدَةُ السِّرِّ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا عَهْدًا أَوْ مِيثَاقًا أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا عَلَيْهِ وَلَا تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَمُحَمَّدٌ وجابر بن زيد لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا الزِّنَا وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا لا تنكح المرأة في عدتها ثم تقول سَأُسِرُّهُ وَلَا يُعْلِمُ بِهِ أَوْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَيَقُولُ لَا يَعْلَمُ بِدُخُولِي حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ اللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِهَذِهِ الْمُعَانَى كُلِّهَا لِأَنَّ الزِّنَا قَدْ يُسَمَّى سِرًّا قَالَ الْحُطَيْئَةُ:

وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ... وَيَأْكُلُ جَارُهُمْ أَنْفَ الْقِصَاعِ

وَأَرَادَ بِالسِّرِّ الزِّنَا وَصَفَهُمْ بِالْعِفَّةِ عن نساء جيرانهم وقال رُؤْبَةُ يَصِفُ حِمَارَ الْوَحْشِ وَأَتَانَهُ لَمَّا كَفَّ عنها حين حملت:

قد أحضنت مِثْلَ دَعَامِيصِ الرَّنَقْ ... أَجِنَّةٌ فِي مُسْتَكِنَّاتِ الْحَلَقْ

فعف عن أسرارها بعد العسق يعنى بعد للزوق يُقَالُ عَسِقَ بِهِ إذَا لَزِقَ بِهِ وَأَرَادَ بالسر هاهنا الْغَشَيَانَ وَعَقْدُ النِّكَاحِ نَفْسُهُ يُسَمَّى سِرًّا كَمَا يُسَمَّى بِهِ الْوَطْءُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَطْءَ والعقد كل واحد منهما يُسَمَّى نِكَاحًا وَلِذَلِكَ سَاغَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى الْوَطْءِ وَعَلَى الْعَقْدِ وَعَلَى التَّصْرِيحِ بِالْخِطْبَةِ لِمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَأَظْهَرُ الْوُجُوهِ وَأَوْلَاهَا بِمُرَادِ الْآيَةِ مَعَ احْتِمَالِهَا لِسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِالْخِطْبَةِ وَأَخْذُ الْعَهْدِ عَلَيْهَا أَنْ تَحْبِسَ نفسه عَلَيْهِ لِيَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّ التَّعْرِيضَ الْمُبَاحَ إنَّمَا هُوَ فِي عَقْدٍ يَكُونُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَكَذَلِكَ التَّصْرِيحُ وَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ حَظْرُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِعَيْنِهِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنًى لَمْ نَسْتَفِدْهُ إلَّا بالآية فهو لا محالة مُرَادٌ بِهَا وَأَمَّا حَظْرُ إيقَاعِ الْعَقْدِ فِي الْعِدَّةِ فَمَذْكُورٌ بِاسْمِهِ فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت