فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 1926

الْمُحْكَمِ الَّذِي لَا احْتِمَالَ فِيهِ وَلَا اشْتِرَاكَ فِي لَفْظِهِ مِنْ نَظَائِرِ مَا قَدَّمْنَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ وَبَيَّنَّا أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى وَجْهَيْنِ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ السَّلَفِ عَلَى اخْتِلَافِهَا بتناولها الِاسْمُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُمْ فِيهِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ وُجُوهِهَا وَيَكُونُ الْوَجْهُ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُحْكَمِ هُوَ هَذَا الْوَجْهُ الْأَخِيرُ لِامْتِنَاعِ إمْكَانِ حَمْلِ سَائِرِ وُجُوهِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى الْمُحْكَمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِهِ ثُمَّ يكون قوله تعالى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ مَعْنَاهُ تَأْوِيلُ جَمِيعِ الْمُتَشَابِهِ حَتَّى لَا يَسْتَوْعِبَ غَيْرُهُ عِلْمَهَا فَنَفَى إحَاطَةَ عِلْمِنَا بِجَمِيعِ مَعَانِي الْمُتَشَابِهَاتِ مِنْ الْآيَاتِ وَلَمْ يَنْفِ بِذَلِكَ أَنْ نَعْلَمَ نَحْنُ بَعْضَهَا بِإِقَامَتِهِ لَنَا الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ لِأَنَّ فِي فَحَوَى الْآيَةِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّا نَعْلَمُ بَعْضَ الْمُتَشَابِهِ بِرَدِّهِ إلَى الْمُحْكَمِ وَحَمْلِهِ عَلَى مَعْنَاهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ ذَلِكَ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَدُلَّ الْآيَةُ عَلَى وُجُوبِ رَدِّهِ إلَى الْمُحْكَمِ وَتَدُلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّا لَا نَصِلُ إلَى عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَإِذًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ غَيْرَ نَافٍ لِوُقُوعِ الْعِلْمِ بِبَعْضِ الْمُتَشَابِهِ فَمِمَّا لَا يَجُوزُ وُقُوعُ الْعِلْمِ لَنَا بِهِ وَقْتُ السَّاعَةِ وَالذُّنُوبُ الصَّغَائِرُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَوِّزُ وُرُودَ لَفْظٍ مُجْمَلٍ فِي حُكْمٍ يَقْتَضِي الْبَيَانَ وَلَا يُبَيِّنُهُ أَبَدًا فَيَكُونُ فِي حَيِّزِ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا نَصِلُ إلَى الْعِلْمِ بِهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ تَمَامَ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْله تعالى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَجَعَلَ الْوَاوَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ للجمع كقول القائل لقيت زيدا وعمرا وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ تَمَامَ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَجَعَلَ الْوَاوَ لِلِاسْتِقْبَالِ وَابْتِدَاءِ خِطَابٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِالْأَوَّلِ فَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَعَلَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ عَالِمِينَ بِبَعْضِ الْمُتَشَابِهِ وَغَيْرِ عَالِمِينَ بِجَمِيعِهِ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَالْحَسَنِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ فِي قَوْله تَعَالَى فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ- يعنى شكا- ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ الشُّبُهَاتُ بِمَا هَلَكُوا لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وَرُوِيَ عَنْ ابن عباس ويقولون

الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ والراسخون في العلم يَعْلَمُونَهُ قَائِلِينَ آمَنَّا بِهِ وَعَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُهُ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ وَمَا يعلم تأويله إلا الله يَعْنِي تَأْوِيلَ جَمِيعِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت