والبصرة، وأنه أقوى وأرق وأعقل وأعدل ملوك الزمان - هذه اللحظة التي أثرت في حياة العالم فأزاحت دولًا وأقامت دولًا، وثلت عروشًا، وبَنت حضارات.
أسلم الفاروق، فليفرق بين الحق والباطل، ولينتقل الإسلام من دين مستتر يفرّ من قريش العاتية الظالمة المستكبرة، مختبئ في حاشية من حواشي مكة التي يصول في بطاحها الشرك ويجول، وتقوم حول كعبتها الأصنام، إلى دين ظاهر مجاهد، يجابه الخصوم، ويصمد للأعداء. لقد كان الإسلام ساكنًا تحت الصفا يعمل بهدوء ويتكامل في الخفاء، كما تتكامل البذرة في باطن الأرض؛ فليخرج الغصن ولينمُ في الهواء، وليسمُ إلى العلاء، ليكون منه بعد ثلاثين سنة الدوحة التي تمتد فروعها من صحراء أفريقيا إلى سهول خُراسان، ومن جبال الأناضول، إلى ساحل عُمان. . .
ليعلن الإسلام (بمظاهرة) تسير في شوارع مكة على رأسها (حمزة) أسد الله و (عمر) الفاروق حتى تنتهي إلى المسجد الحرام، فيصلي المسلمون عند الكعبة أول صلاة بجماعة، وإمامهم إمام الأنبياء وسيد المرسلين (صلى الله عليه وسلم) ، ولتتقطع أفئدة قريش من الحنق، وليموتوا بغيظهم. انهم لا يستطيعون أن يصنعوا شيئًا. لقد أسلم الفاروق، وفرق الله به بين الحق والباطل! إنها (مظاهرة) صغيرة، لم يسر فيها إلا أربعون رجلًا، ولكنّ هؤلاء الأربعين هم الذين صنعوا الأربعمائة مليون مسلمي اليوم، ولا يعلم إلا الله ماذا يصنعون غدًا. . . ولكن فيهم حمزة، فيهم عمر العظيم، فيهم خلاصة الإنسانية، وأفضل الأنس والجن والملائكة، محمد رسول الله!
إن هذه (المظاهرة) التي سار فيها أربعون شخصًا مائتي خطوة، من الصفا إلى الكعبة، لهي أعظم (مظاهرة) عرفها التاريخ لأعظم مبدأ قام لتقرير التوحيد، وتأييد الحق ونصرة الفضيلة، وتحقيق المثل العليا في الحق والخير والجمال.
إنها تسير أبدًا، تسير في الأدمغة والقلوب، ما بقيت أدمغة وقلوب يحفّ بها الإجلال والإكبار.
ولكن ماذا كان عمر لولا الإسلام؟ هل كانت هذه العبقرية النادرة، وهذه النفس العجيبة التي تظهر لو لم يلمسها (محمد) بيده الكريمة ويهزها ويُفِضْ عليها من نوره؟