اقتطاف أطايب آثار المتقدمين وتقديمها للمتأدبين السالكين سبيل الأدب الطالبين أسرار بلاغة العرب، فلم تكن الغاية درس الأديب المتقدم، بل إخراج الأديب المقبل.
وقد استفاد النقد في الإنكليزية كثيرًا بتقدم العلوم الحديثة حتى فاق النقد العربي في نواحي شتى: فتقدُّم علم التأريخ علّم النقاد أن يهتموا بحالة العصر الذي يدرسون من حيث السياسة والاقتصاد والمذاهب السائدة؛ وتقدُّم علوم الاجتماع علمهم أن يهتموا بالبيئة التي نشأ فيها الأديب الذي يدرسون والصفات التي ورثها عن أسرته، ومزاجه النفسي وتكوينه الجسمي، وأثر كل ذلك في أدبه، فجاء النقد الإنجليزي الحديث واضح المناهج بين الأسباب والنتائج، وأبرزَ للعصور والأعلام صورًا جلية وشخصيات متميزة.
أما نقاد العرب فكانوا أكثر اهتمامًا بدرس فنون الأدب وأساليب الصناعة منهم بدرس الأشخاص والعصور؛ وقد أسهبوا في درس الفنون التي فشت في أدبهم واستأثرت بمعظم نثرهم وشعرهم: كرسائل الأمراء والنسيب الاستهلالي والمدح والهجاء والرثاء، وهي المناحي التي لم تظفر من أدباء الإنجليزية ونقادها بالتفات، فقسَّم قدامة بن جعفر مثلًا الممدوحين إلى ضروب: فملوك ووزراء وكتاب وقواد وسوقة، وحصر صفات المدح في أربع: الشجاعة والعدل والعقل والعفة، يجمعها قول زهير:
أخي ثقة لا تُهلك الخمر مالَه ... ولكنه قد يهلك المال نائله
فمن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو الخصم يجادله
والناظر في كتب النقد في الأدبين العربي والإنجليزي، يرى - عدا ما تقدم - فروقًا واضحة بين نقدي الأمتين كالفروق التي يرى بين أدبيهما، بل يرى مواضع الاختلاف واحدة في الحالتين؛ ولا غرو فالنقد كما تقدم صدى الأدب، بل إن النقد والأدب يتجاوبان فيما بينهما صدى مستمرًا طوال العصور؛ والخصائص التي تغلِب على أحدهما لا بد أن تغلب على الآخر، ومن ثم نجد بين النقد في العربية والنقد في الإنجليزية ما تجد بين أدبي اللغتين من فروق في نواحي المحافظة والتجديد، والتأثر بالأثر الأجنبي، والمعنى واللفظ، والفنون وهلم جرا.
فنزعة المحافظة هي الغالبة على نقاد العربية، وقل منهم من دعا إلى تجديد صحيح، وذلك أبن الأثير مثلًا يزعم أنه مجدد بذ الأوائل ثم يأتي بأمثلة من تجديده فإذا هي محافظة مغرقة