وتقليد مفرط؛ وأغلب نقاد العربية يقدسون المتقدمين دون تأمل، ولا يرون عن مناهجهم حولًا ويضعونهم فوق متناول النقد. وذلك أبو علي الحاتمي يحسبه أتى بجديد حين مثل القصيدة بالإنسان في تناسب خلقه، فلا ينشب أن يقول: (وتأتي القصيدة في تناسب صدورها وأعجازها، وانتظام نسيبها بمديحها، كالرسالة البليغة) ، فهو لا يتصور القصيدة إلا نسيبًا ومديحًا كما فعل الأوائل.
وتتجلى نزعة المحافظة في النقد العربي في أمرين: غرضه، وممارسيه، وهما أمران متصلان أحدهما بالآخر، فقد كان غرض كتب الأدب والنقد في العربية كما تقدم وقف الناشئ المتأدب على بلاغة المتقدمين، وتفهيمه أسرار إعجاز القرآن، لينحو منحى أولئك المتقدمين ويضرب على وتيرتهم، فكان غرض النقد الأول تعليم المتأخرين كيف يقلدون الأولين.
ولم يمارس النقد فحول الكتاب والشعراء، ولم يؤثر عن فحول العربية مما يدرج تحت عنوان النقد إلا شذرات مقتضبة بعيدة عن التنظيم، كوصية عبد الحميد لمعشر الكتاب ونصيحة أبي تمام للبحتري؛ وربما ثار بعض الشعراء بما درج عليه زملائهم من تقاليد، كثورة أبي نواس بالوقوف على الديار في مثل قوله:
لا جفَّ دمع الذي يبكي على حجر ... ولا صفا قلب من يصبو إلى وتد
وتمرُّد المتنبي على النسيب الاستهلالي في قوله:
إذا كان شعرٌ فالنسيب المقدَّمُ ... أكلُّ أديبٍ قال شعرًا متيم؟
ولكنها كانت خطرات عابرة لم تُكوِّن مذهبًا ولم تغير سنة، بل لم يتبعها قائلوها أنفسهم وجاروا التقاليد الجارفة فيما نظموه، وإنما مارس النقد في العربية المقلون في النثر والشعر كالجرجاني وأبي هلال العسكري، أو من يؤثر عنهم شيء، وهكذا كان الأدباء فريقًا والنقاد فريقًا آخر.
أما في الإنجليزية فاختلط الفريقان، وكان أفذاذ الأدب عادة هم أفذاذ النقد أيضًا، وكان زعيم كل نهضة أدبية هو أيضًا زعيم النقد فيها: فكل من بن جونسون ودريدون وبوب وصمويل جونسون ووردزورث وكولردج وديكونسي وماكولي وماثيو أرنولد ورسكن، كان كاتبًا أو شاعرًا كما كان ناقدًا، وذاك لعمر الحق ودليل حيوية الأدب وروح التجديد فيه: فلن يكون