نواس - وهو من ذرية تبع أسعد كامل - وطرد الأشراف الثائرين، وجعل نفسه حاكمًا لليمن غير مسئول، وكان يهوديًا متعصبًا، فجمع العزم على أن يستأصل شأفة المسيحية من نجران التي يقال إن النصرانية دخلتها على يد رجل مبارك يدعى فيميون، ودخل الحميريون في دينه أفواجًا يدفعهم إلى ذلك كرههم لاستبداد الأحباش أكثر من احترامهم للدين. وحدث إذ ذاك أن قتل طفلان يهوديان فأتاح هذا الحادث لذي نواس فرصة ليصب نقمته عليهم، فسار إلى نجران على رأس قوة جرارة، ودخل المدينة وخير أهلها بين اليهودية أو القتل، فرفضوا دينه، فحكم السيف في أعناق الكثيرين، وألقى بالآخرين في أخدود أمر بحفره وأشعل النار فيهم؛ وبعد مائة عامة تقريبًا من هذا الحادث حين لقي محمد (ص) أشد ضروب الاضطهاد من قومه أخذ يضرب لأتباعه المثل بنصارى نجران وكفاحهم: (قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود؛ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) وقد دفع ذو نواس ثمن هذا النصر غاليًا، فان دوس ذا ثعلبان كان قد نجا من القتل ففر إلى إمبراطور الروم مستنصرًا إياه باعتباره كبير المسيحيين ليساعدهم على أخذ ثأرهم، فكتب يوستنيانوس رسالة إلى النجاشي طالبًا إليه أن ينوب عنه في تنفيذ هذه المهمة؛ وسرعان ما حشد النجاشي سبعين ألفًا من الأحباش الأيدين، وجعل عليهم أرياط قائدًا فغزا اليمن. ولم يستطع ذو نواس الاعتماد على إخلاص أشراف حمير، وتفرقت قواته (فلما رأى ما نزل بقومه وبه وجه فرسه إلى البحر ثم ضربه فدخل فيه، فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى إلى غرق فاقتحمه فيه فكان آخر العهد به) وبهذا انتهت سلسلة الملوك الحميريين.
وعلى كل فان اليمن تظهر في تاريخ ما قبل الإسلام، كإمارة حبشية أو ولاية خاضعة للفرس، وأما القصص التي تروى بعد ذلك فتعتبر تمهيدًا لرواية جديدة يمثل على مسرحها عرب الجنوب دورًا تافهًا لا يعتد به.
(يتبع)
حسن حبشي