في الربع الأول من القرن الخامس الميلادي، وقد اشتهر النعمان هذا بأنه باني الخورنق، وهو قصر فخم بقرب الحيرة بناه في عصر الملك الساساني يزدجرد الأول الذي أراد مسكنًا صحيًا لابنه الأمير بهرام جور، وعند إتمامه أمر النعمان بأن يلقى مهندسه الروماني سنمار من شاهق البنيان، إما لافتخاره بأنه كان يستطيع إقامته بناء عجيبًا يدور مع الشمس حيث دارت، أو خوفًا من أن يذيع مكان حجر خاص إذ أزيح من مكانه انهار البناء كله. وفي صباح يوم من أيام الربيع أخذ النعمان مجلسه في الخورنق مع وزيره، وأشرف على النجف وحدائقها وما فيها من نخيل وعيون، وأدار بصره في جميع النواحي شرقًا وغربًا، فلما امتلأت نفسه بسحر ما رأى قال لوزيره:
-أرأيت مثل هذا؟
-كلا. ولكن لو دام!
-وما الذي يخلد؟
-ما عند الله في السماوات
فسأله النعمان: كيف يتوصل المرء إلى ذلك؟ فأجابه الوزير: بالعزوف عن الدنيا والتفاني في خدمة الاله، والكفاح من اجله. ويقال إن النعمان آلى على نفسه حينئذ أن يهجر مملكته، حتى إذا ما أقبل الليل تدثر بثوب خشن، وتسلّل في جنح الظلام، وساح في الأرض فلم يره أحد بعد ذلك؛ ويظهر أن هذه الأسطورة قد تبلورت وتضخمت من هذه الأبيات التي نظمها عدي بن زيد العبادي:
وتدبّر ربّ الخورْنق إذ أش ... رف يومًا والهدى تفكيرُ
سره حاله وكثرة ما يم ... لك والبحرُ معرضًا والسدير
فأرعوى قلبه فقال: (وما غِبْ_طة حي إلى المماتِ يصيرٌ؟
ثم بعد الفلاحِ والملك والأمَّ ... ة وارتهمُ هناك القبور
ثم أضحوا كأنهم ورق جف ... فألوت به الصبا والدبور
أما ما يراه جمهرة مؤلفي العرب من اعتناق النعمان المسيحية فليس له أساس من الصحة، وإن كان هناك ما يبعث على الاعتقاد بأنه كان ميالًا إليها، إذ كانت الحرية الدينية مطلقة لرعاياه المسيحيين، كما ورد ذكر حبر مسيحي بالحيرة سنة 410م