وقد كان بين آخر العسر وأول اليسر يحمل تلك النفس الطيبة التي كان يحملها وهو فقير والتي أوحت إليه إذ ذاك أن يقول لصاحبه ما قال. . . فظلم نفسه باستمساكه بمذاهب الفقر واستعذابه حياة الفقراء!!. ثم تتغير قليلًا فكانت دنياه مزيجًا من حياته القديمة وحياته الجديدة، فأنصف نفسه بذلك وعدل بين الفقر والثراء!!. ثم تتغير تغيرًا بينيًا فنسى الفقر ونسى أنه كان فقيرًا، وحقر الفقراء واستقر في الأغنياء، وطغى واستكبر، وبدل النفس الخيرة بنفس شريرة، واستطاب لسانه كلمة أنا. . . وبذلك لبس الغنى كما يشاء الغنى أن يلبس
وويل للغني من جهلة إذا تسلط على عقله الغرور فتعبده!!. ينسيه أنه إنسان ويلقي في روعه أنه فوق مرتبة البشر، ليجرد من صفات الإنسانية، ويكسوه صفات غيرها تصيره تحت؛ ودائمًا تحت مرتبة البشر. . . المال في يده مفسدة لخلقه ومضيعة للفضيلة ونداء للجشع وقضاء على الرحمة. . .
لقد تلف الرجل، وفقدته الحياة حيًا فلم يصبح معدودًا في الناس؛ وإنما اصبح رقمًا حسابيًا لثروة واسعة ليس من ورائها خير
ومشت الأيام في طريقها إلى غايتها، فإذا الغني الذي استبعد على نفسه الفقر قد رجع فقيرا يستبعد على نفسه الرجعة إلى غناه. تمور به الدنيا وتهيئ له في كل خطوة عثرة، وفي كل عثرة كبوة، وفي كل كبوة مصيبة، وفي كل مصيبة همًا وشقاء. . . لأنها غضبت عليه فراحت تقصيه عنها شيئًا فشيئًا لتقطع أسباب المودة بينها وبينه
وكان في بدء انكسار حظه واغتراب نجمه يستكبر على الفقر ويتعظم على القدر، ويحاول بشق النفس ألا يتحول مرتعه ولا يتبدل منزعه، فوضع نفسه بهذا أمام الدنيا في موضع الحرَد والعنت ليناصبها العداء، ويملي عليها العصيان والكبرياء!!. ثم اشتدت عليه غضبة الدهر فأيقظت فيه بعض عقله ونبهته إلى حاله ومصيره. . . فأعتدل طغيانه، وفتر عنفوانه، وهمت به نفسه الخائرة الواهنة تريده على أن ينتحر فرارًا من الفقر النازل؛ ولكن راجعته بوادر السمو المنساقة إليه في بوادر الفقر. . . فتشجع واستمهل نفسه فيما أرادت!!. وكان في هذا كالذاهب على رغمه إلى ميدان الحرب. . .
ثم تمت صنعه الفقر فيه. فتأهب للصبر الطويل، وتماسك عزمه لاحتمال الفاقة وصراع