من أسباب الشقاء؛ على حين يظل المتشائم أمام ما يروعه من مساوئ الحياة قائمًا، لا يريد أن يحول بصره إلى سواها، بل يهول تلك المساوئ كما يسول له حسه المرهف وخياله المغرق.
والأدباء وغيرهم من رجال الفنون عادةً أرهف حسًا وأبعد خيالًا ممن عداهم، وما من أديب إلا تتجسم له مقابح الحياة جهمة مقززة في فترة من فترات حياته، فتعافها نفسه، وينقم عليها وعلى نفسه وعلى الأحياء جميعًا؛ فأما من كان متفائلا بطبعه معتزًا بنفسه واثقًا من قدرته على خوض وغى الحياة، فسرعان ما يخرج من تلك الغمة وتنتصر فيه دفعة الحياة القاهرة، فيلتفت إلى ما بالحياة من مباهج بجانب ما بها من مآس، ويطلب العزاء ببعض تلك عن بعض هذه، ويستن لنفسه مثلًا أعلى جديدًا في الحياة؛ وأما المتشائم المحس بوطأة الحياة الثقيلة على جسمه المتعب وأعصابه المنهوكة ونفسه الخائرة، فيرفض كل عزاء ويأبى كل إيمان ويسخر من كل مثل أعلى
فالفرق الرئيسي بين المتفائل والمتشائم هو أن الأول يرضى العزاء والثاني يرفضه، والأول يؤمن بمثل أعلى والثاني يأبى الإيمان بشيء، فالمتشائم يرفض الدين فيما يرفض، فالتشاؤم والدين ضدان لا يلتقيان: التشاؤم إزراء بالحياة وإنكار لجدواها وتحقير لأبنائها، والدين يبشر بجدوى الحياة الصالحة ويبث العزاء في النفوس عن آلام الحياة. وما كانت الديانات الأولى كديانات المصريين والفرس إلا محاولة حاول بها الإنسان أن يفسر ما راعه من تجاور قوى الخير والشر في الحياة، وأن يتعزى بجانب الخير عن جانب الشر منها، أما والتشاؤم هو فقد الإيمان بالحياة ورفض العزاء عن شرورها، فالتشاؤم والدين نقيضان، ولا ترى متشائمًا إلا يسر الإنكار للدين أو يعلنه، ولا مؤمنًا معتصمًا بدينه قد هوى في لهوات التشاؤم
وليس فقد الإيمان بالحياة ومثلها العليا - أو التشاؤم - ينتهي بصاحبه في كل حالة إلى الإسراف في رفضها واعتزالها، بل هو ربما أدى إلى إسراف مناقض لهذا: إسراف في انتهاب لذاتها القريبة وإشباع الغرائز النهمة منها، تناسيًا لمنغصاتها وتخلصًا من لذعات التفكير في نقائصها؛ فالمتشائمون المعتزلون للحياة الناقمون على الإحياء الساخرون من المجتمع، والمتشائمون المستهترون باللذات المتهكمون بتقاليد المجتمع وأخلاقه، الخارجون