فارتددت إلى الطيار فقلت له يا أخي قد سقطنا في الهواء فما سبب ذلك؟ قال هل أحسست شيئًا؟ قلت كيف لا أحس وقد كانت أنفاسي تنقطع.؟ قال لقد صادفنا فراغًا. . قلت كيف واستغربت فبين لي أن بعض طبقات الجو تخلو لأسباب شتى - نسيتها - من الهواء فتصبح فارغة، فإذا دخلت الطيارة منطقة الفراغ لم تستطع أن تجتازها لأن الهواء هو الذي يعينها بمقاومته على الطيران، ولهذا تسقط حتى تخرج من المنطقة الفارغة فيتيسر لها أن تمضي في طيرانها وذكر لي أن المنطقة التي صادفناها كانت أكبر ما لقي من الفراغ مذ ركب طيارة
وقد علق بذهني هذا ودار في نفسي من يومئذ فأضفته إلى ما كنت أعرف من فضل المقاومة بل ضرورتها فأني عاجز عن تصور حياة لا يلقي فيها الحي مقاومة. وكيف تكون يا ترى هذه الحياة إذا أمكن أن توجد حياة على هذا النحو. . لا أدري ولا أحسب أن أحدًا يستطيع أن يزعم أن في وسعه تخيلها. . ماذا يدفع فيها إلى العمل ويغري بالسعي. . ويبعث على الطموح. ز الذي هو الوسيلة إلى حفظ النوع في الدنيا؟ كيف يكون حينئذ ولا مقاومة هناك ولا عائق ولا صعاب ولا عراقيل ولا حواجز من العرف أو القانون أو غير ذلك. . أتراه عبثًا ومسلاة. . وكيف تكون له لذة اللهو ومتعة العبث ومزية التسلي وهولا يمكن أن يوجد أصلًا. . أم ترى ينحط فينقلب مجرد رغبة عارضة واشتهاء زائل بزوال دواعيه الوقتية. . وكيف تنشأ الرغبة وماذا يشحذ الشهوة ولا شيء هناك من قبيل الموانع
ودع الحب وأنظر في غيره وأسأل نفسك ماذا عساك أن تطلب حينئذ ولا عسر هناك ولا عناء ولا خوف من حرمان لأنه لا عقبة هناك ولا صعوبة ولا مقاومة من الأحوال أو الحظ أو الناس أو التنافس أو غير ذلك مما تكون به المقاومة. .
ويطول بي الكلام إذا أنا أحببت أن أتقصى وجوه هذا الأمر: وما الداعي إلى الإطالة والمسألة واضحة. كلا لم أخسر بأن خلقت في هذا الزمن. ولا خسر أحد شيئًا بأن خلق في زمنه وإنما ينظر الإنسان إلى ما هو مستطيع ويقيسه إلى ما يشتهي فيرى البون عظيمًا والبعد كبيرًا والمسافة طويلة بين المطلوب والموجود، فيتوهم أن ذلك إنما كان هكذا لأن في الزمن عيبًا وفي أحواله فسادًا، وأنه لو كان في زمن آخر لكان حقيقيًا أن يكون أمله أقرب منالًا وسعيه أعظم توفيقًا. وهذا وهم كما قلت فأن رغائب الإنسان في أي زمن أكثر