ابن سينا قد تنبه إلى ضعف برهنته بدليل أنه لم يطنب فيها إلا مرة واحدة وفي مؤلف تقوم كل الدلائل على أنه كتبه في صباه. أما في (الشفاء) و (الإشارات) وغيرهما من مؤلفات الشيخوخة: فإنه يمر بها مسرعة ويحاول أن يثبت وجود النفس معتمدًا على آثارها العقلية؛ وهذه هي البراهين التي تدل على العبقرية والابتكار.
فيلاحظ أولا أن في الأحوال النفسية تناسقًا وانتظامًا يؤذن بقوة مهيمنة عليها ومشرفة على نظامها، وهي برغم تنوعها وتخالفها بل تنافرها أحيانًا تدور حول مركز ثابت وتتصل بمبدأ لا يتغير، وكأنها مرتبطة برباط وثيق يضم أطرافها المتباعدة، فنسر ونحزن، ونحب ونكره، وننفي ونثبت، ونحلل ونركب، ونحن في كل هذا صادرون عن شخصية واحدة وقوة عظمى توفق بين المختلف وتوجد المؤتلف؛ ولو لم تكن هذه القوة لتضاربت الأحوال النفسية واختل نظامها وطغى بعضها على بعض. وما النفس من آثارها إلا بمنزلة الحس المشترك من المحسوسات المختلفة؛ كلاهما يلم الشعث ويبعث النظام والترتيب.
وهنا يشير ابن سينا إلى ذلك البرهان المشهور الذي كثيرًا ما ردده أنصار المذهب الروحي من علماء النفس المحدثين. ويتلخص في أن وحدة الظواهر النفسية ? تستلزم أصلا تصدر عنه وأساسًا تعتمد عليه. وضعف هذه الوحدة أو انعدامها معناه ضعف الحياة العقلية أو القضاء عليها
يدنو ابن سينا من المحدثين، بل ومن المعاصرين بشكل أوضح من هذا في برهان آخر يصح أن نسميه برهان الاستمرار. وملخصه أن حاضرنا يحمل في طياته ماضينا ويعد لمستقبلنا، وحياتنا الروحية هذا الصباح ترتبط بحياتنا أمس دون أن يحدث النوم أي فراغ أو انقطاع في سلسلتها، بل وترتبط بحياتنا منذ أعوام مضت. ولئن كانت هذه الحياة متحركة ومتغيرة فإنما تتحرك في اتصال وتتغير في ارتباط. وليس هذا التتابع والتسلسل إلا لأن أحوال النفس فيض معين واحد ودائرة حول نقطة جذب ثابتة. يقول ابن سينا: (تأمل أيها العاقل في أنك اليوم في نفسك هو الذي كان موجودًا في جميع عمرك حتى أنك تتذكر كثيرًا مما جرى من أحوالك. فأنت إذن ثابت مستمر لا شك في ذلك. وبدنك وأجزاؤه ليس ثابتًا مستمرًا بل هو أبدًا في التحلل والانتقاص. . . ولهذا لو حبس عن الإنسان الغذاء مدة قليلة نزل وانتقص قريب من ربع بدنه. فتعلم نفسك أن في مدة عشرين سنة لم يبق