الحديقة ورصعها بالورد والزهر، ووضع فيها خلاصة فنه ونتاج عبقريته
وكان كل شئ عاشقًا قد سكر بخمرة الجمال، وراح يحلم. فالصحراء الواسعة قد سكرت وتغلغلت في الظلام منفردة تحلم بالظل والماء، والسهول المجاورة راحت تحلم بربيع دائم، وعاد الأمس حيًا حالمًا بالخلود، واطل الغد نشوان يحلم بليلة مثل هذه الليلة. . .
وكنت احلم. . . فما راعني وهبط بي من سماء أحلامي إلا ضحكة عذبة رقيقة كأنها رنين الذهب، لم اسمعها بإذني ولكني رايتها بعيني تتدحرج طافية على وجه النسيم الأحمر حتى غاصت في الظلام الساكن، وعاد الصمت. . . وكانت ضحكة عاشقين قد نسيا الوجود وما فيه، وغابا في حلم حي يقظان!
فهاج ذلك صديقي الشاعر فانحنى علي، وألقى في أذني إحدى أغانيه (الجديدة)
(زرعت روض شفتي بالقبل فأزهر واينع، ولكن لم يقطفه أحد فذوى وجف
(وأعددت سرير الحب في قلبي وضمخته بالعطر، ولكن لم يهجع عليه أحد فعلاه الغبار
(كأن الناس لما خلقوا قسموا أنصافًا، ثم نثروا في الحياة، فمن وجد نصفه صار إنسانًا، ومن وجد غيره كان مسخًا، ومن لم يجد بقي نصف إنسان
(فأين أنت يا نصفي الآخر؟
(لقد ضاع النصف الذي فيه قلبي، فمن هي التي يخفق قلبي في صدرها
(من هي التي تنظر بعيني، وتسمع بأذني؟
(ومن هي التي لم أرها أبدًا، ولا أرى غيرها أبدًا؟)
شعرت بأن أغاني الشاعر قد سمت بي إلى عالم كله خير وجمال، وشعرت بنشوة عجيبة وعلمت أن ما أنا فيه غاية السعادة ونهاية السمو، وإذا أنا اسمع نغمة موسيقية فاتنة عادت تسمو بي، حتى رأيت ما كنت فيه أرضًا وهذي سماء، فذكرت كلمة فاجنر: (تبدأ الموسيقى حيث ينتهي الشعر)
واختلط علينا الجمال، فصار باقة واحدة، قد اجتمع فيها همس الحب وألحان الموسيقى بعبق الزهر، وأريج العطر؛ بخيوط الأشعة، وروعة الألوان، فصرنا نسمع ما يرى، ونشم ما يسمع، وصارت الحواس كلها حاسة واحدة. . . هي حاسة الجمال!
وهأنذا اذكر مئات من الذكريات، وأتمثل طلابي كلهم أمامي حتى إني لأمد يدي أصافحهم