أن يخرج مبادئه إلى حيز العمل وأن يحقق أفكاره العمرانية الراقية. إذا صدقنا ما يقوله أحد معاصريه المؤرخين، جزمنا بأن عصره كان عصر إعجاز في النجاح الإداري. فالرقي الذي ظهر في تلك المدينة والسلوك الأخلاقي الذي استحدث فيها جعلا أمراء المدن الأخرى يتخذونها نموذجًا لمدنهم، بل إن دوق مدينة (لو) سأل (كونفيشيوس) عما إذا كان من الممكن تطبيق قواعد إدارته على جميع مدن الدولة، فلما أجاب بالإيجاب عينه الدوق نائبًا للسكرتير العام للدولة ثم وزيرًا للحقانية فلم يكد يتولاها حتى انقطعت جميع الجرائم وتعطل تطبيق قانون العقوبات تعطيلًا تامًا، لأنه لم يعد في الدولة جانون يطبق عليهم
لا ريب أن في هذا شيئًا من المبالغة، ولكن الذي لاشك فيه هو أن البلاد قد قطعت في عهد إدارة (كونفيشيوس) شوطًا بعيدًا في التقدم الأخلاقي والعمراني والسياسي، وأن هذا الحكيم قد أعاد إليها صورة العصر الذهبي وأشعرها من جديد بالرخاء والسعادة. وبمعاونة صديقيه (تسيه لو) و (تسيه يو) اللذين كانا يشغلان وظيفتين عاليتين من وظائف الدولة قد تمكن من تقوية سلطة الأمراء وإضعاف قوة الأسر المتمردة فاستتب الأمن وسادت السكينة في البلاد
غير أن هذه النعمة لم تدم طويلًا، إذ لم يكد حكيمنا يصل إلى أوج الشهرة الحقة حتى حسده جماعة من معاصريه وهيأوا للدوق أسباب اللذة؛ فلما أفرط فيها أصم أذنيه عن سماع نصائح (كونفيشيوس) فهدده هذا بالاستعفاء إن لم يستقم ويُعْنَ بمرافق الدولة. فلما أصر الدوق على عناده لم يسع الحكيم إلا اعتزال الخدمة، وقد فعل، فاستقال في سنة 496
ومنذ هذا التاريخ أخذ (كونفيشيوس) يرتحل من بلد إلى بلد حتى آخر حياته دون أن يقيم في بلد أكثر من ثلاثة أعوام، وكان يستقبل في كل مكان بالإجلال والإعظام، ولكن لم يتبع نصيحته أي ملك، بل كثيرًا ما تعرضت حياته للخطر، وكان قلبه من أجل ذلك مفعمًا بالمرارة والحزن في جميع أسفاره التي كان لا يرافقه فيها إلا تلاميذه المخلصون والتي أذاقته من التشاؤم واليأس ما دفعه يومًا إلى أن يسائل نفسه قائلًا: (هل أنا إذن، يقطينة مرة لا يستطيع أحد من بني الإنسان أن يذوقها)
بعد أن أنهكته هذه الأسفار المختلفة ألقى عصا التسيار في مدينة (لو) وكانت سنه إذ ذاك تسعة وستين عامًا فاستقبله دوقها الجديد بكل ترحاب وإجلال، ولكنه نهج نهج أسلافه فلم يتبع نصائح الحكيم في أي شأن من شؤون الدولة، فلم يكن ذلك جديدًا على نفس