ويعود ما كان. . . وأراك. . . ويعود الربيع النضر طلقًا ضاحكا يتهلل. . . يومئذ أقول لك. . . لا؛ لستُ قائلها اليوم، ولن أقولها غدًا، سأجعلها رسالة على فم طفل صغير يلثغ بها همسًا في أذنك؛ فتضحكين، وأضحك، ويضحك الطفل الصغير كأمه وأبيه وإن لم يعرف لماذا يضحكان. . .!
(كيف أنت الآن يا عزيزتي؟ هل رضيتِ وسرّى عنك؛ إن كان كذلك فاكتبي إليَّ لتهدأ نفسي. . .
(مضى يومان وأنا في هذا المنأى البعيد كأنهما ليلٌ مطبق ليس وراءه نهار؛ فكيف تمضي الثلاثون؟
(ارقبي مطلع الهلال يا عزيزتي فإني أرقبه كل مساء لأعرف متى يحين اللقاء!
(وأترك قلبي لديك وديعة إلى معاد!)
محبك: كامل
كانت أناملها باردة كالثلج، وكانت شفتها تختلج، وكانت الصحيفة مبسوطة تحت عينيها ولا تكاد ترى؛ وأحست فجأة، وقد بلغت آخر الرسالة، مثل إحساس من يهبط من علوٍ َشاهق مغمض العينين إلى واد من أودية الجنة كان مخبوءًا عن عينيه فلما وطئته رجلاه فتّح فرأى. . .
وعادت تقرأ الرسالة ثانية وثالثة، وكل مرة تُجِدّ لها فكرًا وتوقظ معنى؛ ثم طوت الكتاب برفق وأودعته غلافه، وراحت تفكر. . . وسألت نفسها: (تُرى من هو؟ وأين هو؟ ومتى رآني؟ وأين. . .؟)
وتوزعتها الصور والأوهام، وراحت تكدّ خاطرها، لتذكر وتعاقبت على مخيلتها صور ورسوم، ولكنها لم تعرف. . . أيّ حيرة؟ فتى يبلغ حبها من نفسه هذا المبلغ، فيكتم هواه عنها وعن الناس، ويقنع منها بالنظر على مبعدة وهي لا تدري؛ ويطوى جوانحه على ألم الحب، وبرجاء الوجد، وشقة النوى؛ وهي لا تعرف من أمره، ولا تسمع من خبره، ولا تحس وقع نظرته؛ حتى إذا أبعدته بعض شئون الحياة عن طريقها، وحيل بينه وبين أن يراها، غلبه الهوى على الكتمان فباح بحبه وأمانيه في رسالة.
أيُّ فتىً ذاك؟ وأين مثله في الشباب؟ يا له من رجل!