ترى: أكان الإنسان إنسانًا بمجرد هذا الوجود الحسي الواقع وحده؟ إذن فما معنى هذه الإنسانية المتبجحة بأسرارها الخطيرة؟ ما معنى هذه الإنسانية المفضلة - تفضيلًا مطلقًا - على كل شيء وهب نعمة الوجود؟. . . ما معنى هذه الإنسانية المزهوة بعظمتها إذا كان وجودها قائمًا على جانب واحد هو الجانب الحسي الواقعي، الجانب المادي دون غيره؟ وأين يمتاز الإنسان - إذن - عن الحيوان الأعجم إذا كان يشاركه في هذا الجانب المادي من الوجود ثم لا يزيد شيئًا بعد ذلك؟
اللهم لا: إن هذا الإنسان العظيم لأرفع شأنًا، وأجل خطرًا من أن تكون إنسانيته العظيمة قائمة على وجودها المادي مجردًا، لا يسنده جانب آخر من جوانب الوجود. . . لا: ليس الإنسان كائنًا حيًا وكفى. . . بل إن الإنسان: كائن حي، أعلى، فهو إنسان - إذن - لأنه ذو جانبين اثنين يشارك بأحدهما سائر الكائنات الحية في هذا الوجود، ويتفرد الجانب الآخر واقفًا على قمة الهرم: هرم الحياة
فما هو الجانب الآخر الذي يصعق بالإنسان إلى قمة الهرم؟ هو لون من الوجود أفاضته الطبيعة على هذا الكائن الحي فصار إنسانًا، وصار الإنسان سيد الوجود، على الإطلاق
هو لون من الوجود غريب يأبى التعريف والتحديد، لأنه يسمو فوق الحدود وفوق القيود، وإنما نعرفه بمظاهره وأثاره ليس غير
هو الآية الكبرى من آيات الطبيعة جاءت بها لتقيم البرهان على عظمة الخلق والإبداع الإلهي
هو الكوة التي يطل منها الأنبياء والمصلحون على الناس ليغدقوا عليهم أنوار الإيمان والفضيلة والرحمة والعدالة فتتفتح له عيون، وتعشو منه عيون. . .
هو المنظار السحري العجيب الذي يتطلع منه الشعراء، والفنانون الملهمون إلى الوجود، فيكشف لهم أسرار الوجود وخفاياه، ويلون لهم الحياة بألوان من الجمال وألوان من القبح، ويصور لهم الناس صورًا من الملائكة وصورًا من الشياطين، ويخلق لهم عالمًا من السعادة يموج بالعطر والنغم، أو عالمًا من الشقاء تفح فيه الأفاعي، وتضري الذئاب. . .
هو مصباح الفلاسفة والمثاليين يدورون به في مجاهل الكون وخباياه يبحثون عن الحقائق الكلية المطلقة، ويتغلغلون به إلى مكامن السر المحجب يستكنهون معنى الإرادة العليا فيما