القصة شيئًا أقل من (القدر أو الإلهام) لكانت سفينتها غرقت وسط متاعب الأنانية)
هكذا قال مقدمًا القصة الغريبة الرفيعة. ولم يكن يسع شارت الموهوبة الملهمة إلا أن تتأمل غرائب القصة وسببها الدافع وإلا أن تجد أنه القدر. أما الإلهام فمن القدر. ولم يكن يسع (جَرُد) إلا أن يُعجب بهذا التوفيق إلى تفسير سبب هذا العمل الأدبي الطافح بالقسوة والغرابة، وإلا أن يؤيده ويكرره في راحة وسرور
ولو لم تتكلم (شارلوت) و (جرد) عن عمل القدر في هذه الرواية لكان جديرًا بنصف قراء هذه القصة أن يتساءلوا مستنكرين: لماذا قسمت حظوظ شخصيات هذه القصة كما قسمت؟! ولماذا نجح الشر فيها كل ذاك النجاح؟! ولماذا شقيت شخوصها الطيبة ما شقيت؟!
طالعت كثيرًا من المآسي فلا أذكر أني عجبت من المؤلف عجبي من إميلي برونتي وإن تكن قصتها المحشودة بالمآسي ليست في قالب المأساة
الناس يشقون بمكتوب القدر، ويسألون الله اللطف والرحمة؛ وقد يتعجبون في تسليم من الحكمة الخفية كيف تكون. وقد يستغربون وجود غاية مجهولة معقولة لأن عقولهم لا تغني في هذه القضية بغير إيمان ثابت. فقد يسأل القارئ بعد تلاوة هذه المأساة وأمثالها: أما كفى المؤلف شقاء الناس في الحياة فيشقي شخوصه في الورق والخيال وهي من صنع يده لولا أن قَدَر الحياة يتدخل في قَدَر الخيال! إنه لا يجوز أن تشقى هكذا تلك الأحياء الخيالية الطيبة. فإن جاز شقاء شخوص روائية فحين يصف مؤلف أشخاصًا حقيقيين في قصة وصفية غير وضعية إلا أن يكون المؤلف قاسيًا وحشيًا
ويظهر أن مخرج هذه الرواية للسينما راعى شيئًا من ذلك، فرأيناها خلوًا من شر ما فيها من شذوذ وقسوة. وإن يكن قد شوهها بالبتر والاقتضاب والتعديل
هذا، وقد كان كلام شارلوت على القدر والإنسان والاختيار المتروك له، وهو مناط الكسب، كلامًا صائبًا يوافق في عمومه رأي السيد جمال الدين الأفغاني في مقالة (القضاء والقدر)
وفي (عهد الشيطان) للأستاذ توفيق الحكيم أقصوصة عنوانها (الأميرة الغضبى) . وهي (ريسكا) بطلة قصته (أهل الكهف) . والمؤلف يحاور بطلة قصته بهذا الحوار الذي طرق به موضوع القدر:
-قل لي أنت قبل كل شيء: ماذا عليك لو أنك أبقيت لي مشلينيا؟. . . لو أن قلمك تمهل