أما المرأة فتبدو جزءًا منه، قد فقدت استقلال شخصيتها وتشربت روح المنظر المحيط بها ومزجت نفسها به)
وفي هذا الصباح كانت العين ترتد عفوًا إلى الفتاة ذات السترة القرنفلية الشاحبة، إذ كنت أعدل الجميع قدًا، وألينهن غصنًا، ولكنها كانت قد شدت قلنسوتها على جبينها حتى لم يعد يرى شيء ومن وجهها حين تنحني، وإن كان من الممكن التنبؤ بلون وجهها بالنظر إلى خصلات شعرها الأسود الرمادي الممتد من تحت حافة قلنسوتها، ولعل من أسباب طموح العين إليها أنها لا تحاول اجتذابها، وأن تلتفت الأخريات حولها من حين إلى حين
وظلت تنحني وتقوم في حركة رتيبة كسير الساعة، تستخرج من آخر كومة هيئت ملء يمناها من السنابل، وتضرب قممها براحتها لتسوي رؤوسها، ثم تنحني مليًا، وتتقدم ضامة العيدان بكلتا يديها إلى ركبتيها، وتدفع يسراها ذات القفاز تحت الحزمة لتقابل اليمنى على الجانب الآخر، معانقة القمح معانقة المحب، وتجمع أطراف الحزمة وتجلس عليها وهي تربط، وتدفع أذيالها إلى أسفل كلما عبث بها النسيم، وكان جزء من ذراعها يبدو عاريًا بين جلد القفاز الخشن وبين كمها ناعمًا رقيقًا، وكلما تقدم النهار ابتسمت عليه الخدوش وبض منه الدم، وكانت تعتدل قائمة من حين إلى آخر لتستريح وتصلح من ميدعها وقلنسوتها، وعندها يرى الناظر وجه فتاة مليحة بيضاويًا ذا عينين سوداوين تحف به خصلات من الشعر الأسود سبطة تعلق بكل شيء تقع عليه، وكان خداها أشد شحوبًا، وشفتاها الحمراوان أرق، وأسنانها أكثر تناسقًا مما يشاهد في بنات الريف)
سلام على ريفنا الملهم، وعلى أديب ليستلهم فيصور، ورحمة لفخري أبي السعود فقد عاش وكتب بدمه، ومات وهو يعلم أن الدم روح مسفوكة
حبيب الزحلاوي