نصبته على منصة عالية، فلما جلس جلالته على العرش مستمعًا إلى الخطباء، ولما وقف الجارم بك يلقي شعرًا انصرفت أنا عن الشعر، وكنت بين الطلاب، إلى مشاهدة هذا الجمع والتأمل فيه، وكان أن مددت بصري إلى نهاية السرادق أو نهاياته جميعًا، فإذا بي أرى كل فرد من هذا الزحم قد ترك الشعر مثلما تركته أنا، وأسلم نفسه بحواسه جميعًا إلى هذا الملك كأنه ينتظر منه أن يلقي إليه إشارة فيسرع إلى تلبية الإشارة. . . كل فرد كان على هذه الحال، ومن يومها آمنت بأن فؤاد الأول لو لم يكن ملكًا لكان ملكًا. . .
أمام هذه الشخصية. . . من الذي يستطيع أن يمثل دور محمد علي الكبير تمثيلًا حيًا، يبدأ حيًا، ويستمر حيًا وينتهي بانتهاء الرواية حيًا لا تخلخل فيه ولا هبوط؟!. . .
لقد كانت مشكلة، ولقد حلتها شركة ترقية التمثيل العربي بأن عهدت بالدور إلى عبد العزيز خليل. . .
ووجدها عبد العزيز خليل فرصة العمر
وفي ليلة الملك هدر عبد العزيز خليل ساعتين أو ثلاث ساعات من ساعات يقظته الفكرية وهي الساعات القليلة التي تعد في حياة الفنان الإنتاجية في إعداد شكله ونفسه بالمكياج، أما شكله فقد لعب فيه بالأدهان والشعر والأصباغ، وأما نفسه فقد لعب فيها بالكبر ليكون كالرجل الكبير الذي سيمثله، وبالتقوَّى حتى يكون كالرجل القوي الذي سيعيده إلى الأنظار والأسماع والأفئدة، وبالتسلط حتى يكون كذلك السلطان محمد علي
ورفعت الستار، وبدأت الرواية ودخل محمد علي. . . محمد علي الممثل دخل إلى المسرح
ولكن حدث أن حضرة صاحب الجلالة الملك بالقوة والحق فؤاد الأول وقف احترامًا لمحمد علي. . . فوقف الشهود معه أمراء ووزراء ومن هم دون ذلك
فهل كان جلالته يقف لأي ممثل آخر. . . مهما كان الممثل! لا. وإنما جلالته وقف جزاء وتكريمًا لهذا الممثل الذي أفنى نفسه واستحضر بدلًا منها نفس محمد علي، فلم يبد من نفسه شيء وإنما دخل إلى المسرح وهو محمد علي فلم يكن عجبًا من حفيد محمد علي أن يقوم إجلالًا لمحمد علي هذا الذي يراه ماثلًا أمامه. . .
لقد اضطرب عبد العزيز خليل ولم يعرف كيف يتخلص من هذا الموقف المربك، فكان أن ألهمه الله الخلاص إذ أشار بيده إشارة كاملة إلى الممثلين من حوله وقال: تفضلوا يا أولادي