كهذا، فكيف ونحن نفاوضه في صلح بعد حرب استمرت أعوامًا عشرة؟
وكانت أعمالنا مساومة على أخذ أرض مقابل أرض والتنازل عن جزيرة في مقابل شبه جزيرة. وهل إذا فعلنا ذلك في فينيس تفعلون ذلك في سيراليونا؟ وهل إذا أعطينا مصر للسلطان، تعطوننا مدينة الكاب التي أخذتموها من حلفائنا الهولانديين؟
وفي يوم من الأيام عاد إلينا السفير متعبًا منهوك القوى فأجلسناه واجتمعنا حوله وبعد أن تمالك قواه قال: (لقد كان أهم لعبة يريد أن يلعبها ضدنا الإنكليز خاصة بمركز مصر، وقد وجدت انه لا يزعجهم شيء كما يزعجهم وجودنا فيها لأنهم يخشون أن يجعلها نابليون قاعدة للهجوم على الهند، ولذلك كنا كلما توقف وليم بت في أمر من الأمور قلنا له:(إذا كان الأمر كذلك فنحن لا نستطيع أن نخلي مصر) فنراه في الحال قد رجع إلى صوابه، وبسبب مصر نلنا شروطًا باهرة في الصلح مع الإنكليز والحق إننا لم نخش الأساطيل والجيوش الإنكليزية وإنما نخشى دهاءهم السياسي، ويختلف الإنكليز عنا في نقطة هامة هي أننا إذا حصلنا على جزء من الممتلكات فيما وراء البحار جلسنا مطمئنين في باريس ودبرنا التسهيلات التي نستطيع بها إخضاع ذلك الجزء لنا ونحن في أماكننا جاثمون. أما الإنكليزي فيحمل زوجته وأبناءه ويذهب إلى ذلك الجزء كائنًا ما كان وصفه محاولًا جعله كأية بقعة من بلاد الإنكليز.
وأخيرًا تم التفاهم على شروط المعاهدة وهنأت المسيو أوتو على نجاحه وكان شديد الفرح بذلك النجاح فلم يجلس مطمئنًا إلينا بل أخذ يجري من غرفة إلى غرفة وهو يضحك ضحكًا عاليًا وأنا جالس في ركن من غرفة الاستقبال انظر إليه كلما مر من أمامي. وفي وسط السهرة جاءت رسالة على يد رسول من باريس فنظر إليها السفير ولم يفتح فمه بحرف، بل خانته قوته ووقع على الأرض فجريت نحوه فاجتمعنا حوله وحملناه فنام على النمرقة وكان شكله يدل على أنه قد مات لولا أن نبضه كان لا يزال يدل على حياته.
والواقع أني اكره الفضول ولكن لما رأيت الإغماء على السفير لم استطع منع نفسي من النظر إلى الرسالة التي سببت ذلك فكدت اصعق أنا أيضًا عندما قرأتها. لكنه لم يغم علي، بل جلست في ركن من القاعة وأخذت ابكي. وهذه الرسالة تدل على أن جيوشنا أخلت مصر. وكانت المعاهدة لم توقع بعد ولا بد إذن من فسخها لأن الإنكليز ما عادوا في حاجة