والمصريون كانوا مشغوفين بالمجاز، أما إذا قلنا إن الشاعر لم يرد معنى مجازيًا فهو على كل حال قال بأن النيل يظهر من بين صخرتين، ولم يقل إن شطرًا منه يجري إلى مصر وشطرًا إلى النوبة. والعلماء اتفقوا على أن نقوش الأهرام تسجل أساطير كانت عامة المصريين تعتقدها فيما قبل التاريخ يوم كانت المدينة المصرية تحبو كالطفل.
ملحوظات
هذه خلاصة متواضعة لنقطة تافهة وردت عرضًا ضمن كتاب هيرودوت، فما بالك إذا عدت إليها في الكتاب وقرأت أسانيدها ولمست مدى الاهتمام الذي أخذها به المؤلف ليقضي عليها؟ ثم ما بالك حين تتبعه في تناوله الحقائق الكبرى. ألم تلاحظ معي أن للمؤلف (ضمير المؤرخ) يمشي جنبًا إلى جنب مع (حماسة القومية) في الذود عن المصرية، حتى لقد راح يلتمس العذر للمؤرخ اليوناني إرضاء للضمير العلمي، فإذا وجد له سندًا خيل إليه أنه راجح أثبته؛ فإذا أثبت التفنيد أنه مرجوح قضى عليه ثم ترك لقارئه الحكم على رواية هيرودوت.
ثم ماقيمة مسألة تافهة كهذه يعني بها هذه العناية؟
القيمة أنك - بها وبأخواتها التي تلتها - تعرف أقوال هؤلاء المؤرخين وقيمتها، فتظهر ذهنك من الإيمان الخاطئ بالتاريخ الذي درسته تلميذًا وشابًا وكهلًا وشيخًا لتستقل معه بحوثه الكبرى وراء الحقيقة الخاصة بالتاريخ المصري القديم.
ومن هذا (التطبيق المتواضع) ترى أن الرجل لم يكن يثبت حرفًا - بله البحث - من غير أن يرمي به إلى نتيجة. وقد ترى الكلمة مثبتة في مقدمة الكتاب للعودة إليها في خاتمته.
ميزة
وكان للمؤلف ضمن الميزات ميزة لا يسعني إغفالها على الرغم من ضيق النطاق واعتزامي اختتام البحوث، ميزة العودة إلى الحق شأن العالم الثبت، وميزة مسايرة أحدث البحوث وآخر الكشوف بحيث إذا عثر على كشف يصوب نتيجة بلغها قبلًا عاد فصارحك بخطأه وأرشدك إلى الكشف الذي هداه إلى الصواب.
وفي الجزء الأول مجالان للتطبيق أرجو أن تعود إليهما: أحدهما في صفحة 223 تحت