والإشفاق لا توصف؛ وعاد مسرعًا يقول لجلال أفندي: (معالي الباشا مشغول جدًا اليوم فلتتفضل بالمجيء ضحى الغد) ، فعاد إلى حجرته مسرعًا واجدًا متألمًا، وكان ألف طوال مدة خدمته خيلاء الرؤساء وانتهار المديرين، ولكن انشغال الوزير آلمه أكثر من أي شيء، وجعل يتساءل: ترى هل يذكرني؟. . . ولم يكن شيء، ليصده عن هذا الباب، فذهب ضحى الغد كما قال له السكرتير وانتظر طويلًا حتى قال له الشاب: (تفضل) ، فقام مسرعًا خافق الفؤاد، وفتح له الباب المحروس فاجتازه إلى الحجرة ذات السجاجيد والزخارف، ونظر إلى صدر المكان فرأى معالي الباشا كما يدعونه يطالع في شيء بين يديه، فلما أن شعر بوجوده رفع إليه عينيه ومد له يده وعلى فمه شبه ابتسامة وقال:
-أهو أنت!. . لقد اشتبه علي الاسم. . . أو ما تزال حيًا؟
فسر جلال للمداعبة الأخيرة واطمأنت نفسه وقال بخضوع وإجلال:
-نعم يا صاحب المعالي ما أزال أكابد حظي في الدنيا
فنظر إليه نظرة استفهام، ومال إلى الوراء قليلًا وهو يتمتم: (أفندم) ، فقال جلال:
-يا معالي الباشا قصدت إلى معاليك لأشكو إليك ما أشكوه من عنت الدهر وشقاء الأيام. لي أسرة كبيرة وأبناء كثيرون ومرتبي صغير، ولست طامعًا في علاوة أو درجة، ولكني أضرع إلى معاليكم أن تعفى ابنين لي في مدرسة شبرا الثانوية من المصروفات
-الاثنين معًا؟!
-نعم يا معالي الوزير؛ إن آمالي مشرقة بمعاليكم، لقد جاوزت معاليكم عهدًا طويلًا من سني الدراسة، وينبغي لمن حظي بذاك الجوار أن يربو حظه على حظوظ الناس جميعًا، خاصة إذا علمتم أن لي غيرهما أربعة آخرين، فقال له الوزير باقتضاب:
-قدم لي مذكرة
وكان الرجل محتاطًا لذلك، فأخرج من جيبه التماسًا أعده لهذه الساعة وقدمه إلى الوزير، فجرت عليه عيناه بسرعة، ثم أمسك قلمه ووقع عليه بكلمة، وقال للرجل:
-اطمئن. . .
فانحنى جلال أفندي تحية، فتكرم الآخر بمد يده له، ثم غادر الحجرة مغتبطًا مثلج الصدر. ولكنه ما كاد يعود إلى مكتبه بالوزارة، حتى قال لنفسه متعجبًا: لم يتغير (حامد شامل)