لقد انتبه البابا أربان الثاني إلى هذه الحالة النفسية فتشجع في إشهار الحرب وزاد في نشاطه وجود طائفة من الأمراء، ولا سيما النرمنديين منهم سمعوا بكنوز الشرق وسلطان ملوكه وأمرائه العظيم فطمعوا فيهما، وتمنوا لو أُتيحت لهم الظروف ليكونوا سادة في ذلك الشرق الساحر مثل أولئك الذين ينعمون بأموال وافرة وجاه عظيم وسلطان مطلق
وصادف أن قحطًا شديدًا اجتاح القسم الغربي من قارة أوربا وسبب مجاعة وفقرًا وموتًا ولا سيما في فرنسا حيث أهلك الحرث والنسل ومات مئات الألوف من الناس وخربت القرى وأقفرت المزارع فبات بسبب ذلك كله معظم سواد الشعب في أشد حالات البؤس والشقاء، فلما نادى منادى الحرب الصليبية أقبل أولئك الجياع إقبالًا هائلًا عليها أملًا في العثور على أقواتهم اليومية، وهم بعملهم هذا يمتثلون أوامر الكنيسة التي كانوا يخشون بأسها وعقابها من جهة، ويحاربون في سبيل تخليص الأرض المقدسة من أيدي المسلمين من جهة أخرى
والحقيقة إن هذه الحروب لم تكن إلا مظهرًا من مظاهر التعصب الديني قامت به البابوية في القرون الوسطى ضد العالم الإسلامي. ولقد أثارها البابوات وقذفوا بفرسان الغرب وأُمرائه إلى ساحات القتال في الشرق ليحققوا منافع مادية لصالح الكنيسة ولقد اشترك فيها الملك والأمير والفارس والراجل والنبيل والوضيع والناسك والسارق والراهب والقاتل والتقي والفاجر وكل منهم كان يرمي إلى غاية في نفسه؛ فهذا يريد ملكًا أو إمارة، وذاك يسعى لاكتساب مغنم، وذلك للاغتراف من كنوز الشرق الثمينة. أما السواد الأعظم فقد كان على جهله المطبق لا يريد من وراء تضحياته إلا رضا الكنيسة وتأمين حياة أخروية سعيدة
وهكذا تحركت تلك الجماهير الغفيرة من الغرب إلى الشرق، فكانت حينما تصل إلى البلاد الإسلامية تنقض عليها انقضاض الحيوانات المفترسة فتقتل الناس وتهدم القرى وتحرق ما تجده أمامها من أشجار وزرع ونباتات، وهي بعملها هذا تعتقد أنها تؤدي أقدس واجب تتحمله، وكان الرهبان يشجعون فيهم هذه العقيدة ويستزيدونهم قتلًا ونهبًا وتنكيلًا بالمسلمين وزحفت الحملة الأولى بخيلها ورجلها وشبابها وصبيانها ونسائها وحيوانها قاصدة فلسطين مؤتمة بطيور الإوز ومواشي الماعز، وهي عادة حافظ عليها الجرمان من حياتهم الوثنية حين كانوا يقدسون كثيرًا من الحيوانات بينها الإوز والماعز، ويتبركون بها؛ فلما زحفوا نحو الشرق مشوا وراءها يلتمسون منها النجاح والظفر، وحينما اجتازت الحملة آسيا