بصيرًا بفنونه وبالتصرف فيه فقط، بل ينبغي أن يكون عالمًا، ولو على جانب لا بأس به من علم النفس والإحاطة بمقتضيات المجتمع الذي انتدب لفحص الخط المدعي تزويره فيه.
وهنالكم اعتبارات كثيرة ينبغي ألا تكون طبيعة فاحص الخط كطبيعة الإقليم الذي حدثت فيه عملية التزوير. فمثلًا البلاد المصرية وهي بلاد حارة قد يكون مرور بعض من الزمن فيهًا مؤثرًا أضعاف مرور جزء من الزمن في بلاد أخرى. كذلكم تعاقب فصول متكررة من صيف بعد صيف على وقوع تزوير لا يمكن أن يمر دون أن يترك أثرًا في تطور الخط فيما يمكن أن يعرض له من التطورات. على أنه في غضون خبرتنا وممارستنا للخطوط لاحظنا أن المداد العربي الأسود القديم الذي كتبت به المصاحف القديمة وغيرها كان أثبت على الزمن من غيره؛ وإن كان آخرون يرون أن العين المجردة قد لا تستطيع ما تستطيعه الآلات العلمية الحديثة من اكتشاف التطورات مهما كانت بسيطة ومحدودة. على أن هنالكم أنواعًا كثيرة من المواد المحدثة ضعيفة الثبوت تتنافى مع مستلزمات الأحوال؛ بل يكفي مرور يسير من الزمن لحدوث تغير فيها، بل إن تعرضها للنور والهواء أو لمؤثرات أخرى قد يكون سببًا في كشف حقيقتها. بقي الشيء الوحيد الذي يمكن إخفاؤه والذي لا يهتدي إليه إلا بالاستكتاب ألا وهو الكتابة بالآلات الكاتبة؛ فهذا الضرب من الكتابة قد يكون من الصعب اكتشافه لأن المصنع الواحد يخرج الآلات الكثيرة وكلها على غرار واحد، فمن العسير، بل من المعتذر معرفة الحقيقة، إذ يمكن أن تتشابه تلكم الآلات ولا يكون هنالكم مجال إلا لفحص المداد الذي كان في الآلة الكاتبة أو الشريط الذي يكتب به أو ما شاكل هذا. وما دام العلم قائمًا وما دامت الغرائز البشرية واقعة تحت تأثير عبادة المال فسيظل الصراع عنيفًا بين العلم والإجرام حتى يعين الله العالم والعلم على وضع حد من نزوات الغرائز البشرية الجامحة هدانا الله إلى الحق وأذاقنا حلاوة اليقين.
(القدس)
الأمير عبد القادر الشهابي