أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي
ثم قالت لراوية الأحوص أليس صاحبك الذي يقول:
من عاشقين تواسلًا وتواعدًا ... ليلًا إذا نجم الثريا حلقا
باتا بأنعم ليلة وألذها ... حتى إذا وضح النهار تفرقًا
قالت: نعم. قالت: ألا قال (حتى إذا وضح النهار تعانقًا)
ثم قالت لراوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول:
فيا ليتني أعمى أصم تقودني ... بثينة لا يخفي علي كلامها
قال. نعم. قالت. رحم الله صاحبك. إنه كان صادقًا في شعره، وكان جميلًا كاسمه، فحكمت له. ورضى الجميع بالحكم
ميلها للغناء
وللسيدة سكينة شعور رقيق وحب للجمال - وهل يحب الجمال إلا الجميل - هي جميلة في صورتها، جميلة في صوتها، جميلة في نفسها، وجميلة حتى في تهكمها ونقدها. ففاض هذا الجمال من روحها الطيبة الطاهرة، وغمر ندوتها، وجعلها معرضًا للفن والجمال.
وما الغناء إلا مظهر من مظاهر الجمال الروحي الذي تجيش به الأنفس فتهتز له القلوب فتردده ألحانًا.
كان يعجبها الغناء وتهتز له. وكان المغنون يقصدون صالونها ويعرضون فيه ألحانهم الجديدة وأصواتهم المبتكرة التي لم تكن معلومة عند العرب. وكان (الفريض) مولاها يلازم هذه الندوة ويشرف على مرتاديها من أهل الفن. فاعتنت السيدة سكينة بتربيته وأسلمته إلى المغنين وما زال يسمو أمره حتى بلغ في الغناء ما بلغ.
وهذا (حنين المغني العراقي المشهور يشد الرحال إلى المدينة المنورة تلبية لدعوة زملائه المغنين فيها. ولما كان على مرحلة منها ازدحم الناس لمشاهدته - فلم يرى يومًا كان أكثر حشرًا ولا جمعًا من يومئذ - وأمل كل سرى وشريف أن يحل حنين ضيفًا عنده. ولكن كل شرف دون شرف، ومن له من الشرف والمروءة مثل ما لها؟ عرج الحنين إلى دارها ليسلم عليه ويستأذنه في الغناء عندها قبل كل أحد. فأذن له بالدخول. ثم أذنت للناس إذنًا عامًا وأقبل أهل المدينة كعاداتهم إلى صالتها ليسمعوا أنغام حنين، غصت الدار وصعدوا فوق