فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 35815 من 36878

ثم يأتي هذا التفصيل للإجمال والإيضاح بعد الإبهام مما يبعث في القلب راحة ولذة وطمأنينة. وفي النفس شوقًا واستعدادًا وتهيئاَ لقبله وإدراكه 0

ويفصل عليه الصلاة والسلام هذا الإجمال فيقول:

1. (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) :

وهذه الصفة الأولى من صفات الذين يجدون حلاوة الإيمان هي- على بساطتها - قانون كامل تجتمع فيه كل العبادات , فمن البدهي أن الحب يستلزم طاعة المحب لمحبوبه , والحرص على رضاه بكل وسيلة.

على أن الحب هنا مشروط: بأن يكون أقوى الحب , وأرسخه , وأدومه , فمن نتائجه المحتومة إتباع كل ما أمر به الله ورسوله , واجتناب كل ما نهى عنه الله ورسوله 0

فسبحان من أعطاه:= جوامع الكلم فقد جمع أسلوبه بين البلاغة القريبة والبعيدة , والفصاحة والمعجزة الرائعة، والنمط القريب والطريقة المحكمة , والنظم العجيب , فهو السهل الممتنع.

فقد اجتمع في هذه العبارة القليلة الألفاظ المعاني الغزيرة، والأحكام الكثيرة من غير تعقيد ولا تكلف ...

وصدق الجاحظ في وصفه لكلام الرسول:=:"هو الكلام الذي قل عدد حروفه , وكثر عدد معانيه , وجل عن الصنعة , ونُزٍه عن التكلف، استعمل المبسوط في موضع البسط , والمقصور في موضع القصر ...."0

ثم تأمل اللطف والمطابقة العجيبة بين الألفاظ والمعاني , تطلعك على فصاحة رسول هذه الأمة:= وامتلاكه زمام اللغة تلك اللغة التي لها شأن ليس كسائر اللغات , فكلمة (يحب) تدور في اللغة على خمسة أشياء وهي:

الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: حبب الأسنان ..

والثاني: العلو والظهور، ومنه قولهم: حبب الماء وحبابه

والثالث: اللزوم والثبات، ومنه قولهم: حب البعير وأحب إذا برك ولم يقم ...

والرابع: اللب، ومنه قولهم: حبة القلب , للبه وداخله ...

والخامس: الحفظ والإمساك، ومنه قولهم: حب الماء، للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه.

ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة ... فإنها صفاء المودة , وهيجان إرادات القلب للمحبوب ... وعلوها وظهورها من لتعليقها بالمحبوب المراد. وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارقه , ولإعطاء المحب محبوبه لبه , وأشرف ما عنده , وهو قلبه , ولاجتماع عزماته وإرادته وهمومه على محبوبه0

فاجتمعت في المحبة المعاني الخمسة , ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة (الحاء) التي هي من أقصى الحلق، و (الباء) الشفوية التي هي في نهايته , فللحاء الابتداء وللباء الانتهاء.

وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب. فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه.

وقد اختار الرسول:= لمادة (الحب) دون سواها , ليؤكد وجوب الإخلاص في العبادة , وفي طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام , ضرورة أن القلب - وهو مقر العقيدة - وموطن الإيمان , وهو وحده مركز الحب ومصدره , وبهذا وذاك يستطيع أن يكون هو الموجه لنيات الإنسان وأعماله , وأن يحقق للعبادة ما يجعلها عبادة كاملة.

وقوله:=: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) الجمل بدل من ثلاث أو خبر لمحذوف , أي أحدهما كون الله .. وأفرد الضمير في (أحب) لأنه أفعل تفضيل متصل بمن فيفرد دائماَ , وثنى (سواهما) إشعاراَ بأن محبة الله ورسوله معاَ جزءَ لا يتجزأ من الإيمان، وأنه لا تكفي إحداهم عن الأخرى , فمن يدعي حب الله ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك.

ثم قال:=: (وأن يحب المرء لا يحبه لا يحبه إلاَّ في الله) بأسلوب القصر الإضافي (قصر الموصوف على الصفة) أي يحبه لله , لا لأجل مصلحة مال، أو أمر من أمور الدنيا وعرضها0

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت