وَالْعُمْدَةُ فِي ذَلِكَ هُوَ الِاسْتِقْرَاءُ إلَّا أَنَّ هَذَا وَجْهُ الضَّبْطِ ، فَإِنْ قُلْت مِنْ حَقِّ الْأَقْسَامِ التَّبَايُنُ وَالِاخْتِلَافُ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ ضَرُورَةً صَدَقَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا لَا يَخْفَى .
قُلْت هَذِهِ تَقْسِيمَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلَا يَلْزَمُ التَّبَايُنُ ، وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ جَمِيعِ أَقْسَامِهَا بَلْ بَيْنَ الْأَقْسَامِ الْخَارِجَةِ مِنْ تَقْسِيمٍ ، وَهَذَا كَمَا يُقَسَّمُ الِاسْمُ تَارَةً إلَى الْمُعْرَبِ وَالْمَبْنِيِّ ، وَتَارَةً إلَى الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إمَّا مُعْرَبٌ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْجَمْعَ أَقْسَامًا مُتَقَابِلَةً لَكَفَى فِيهَا الِاخْتِلَافُ بِالْحَيْثِيَّاتِ ، وَالِاعْتِبَارَاتِ كَمَا فِي أَقْسَامِ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ لَفْظَ الْعَيْنِ مَثَلًا عَامٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْبَاصِرَةِ ، وَمُشْتَرَكٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وُضِعَ لِلْبَاصِرَةِ وَغَيْرِهَا ، وَكَذَا التَّقْسِيمُ الثَّانِي .
( قَوْلُهُ وَهَذَا مَا قَالَ ) عَبَّرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَنْ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ فِي وُجُوهِ النَّظْمِ صِيغَةً ، وَلُغَةً ، فَقِيلَ الصِّيغَةُ وَاللُّغَةُ مُتَرَادِفَانِ وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ وَهُوَ تَقْسِيمُ النَّظْمِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ نَفْسِهِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمُتَكَلِّمِ وَالسَّامِعِ وَالْأَقْرَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَضْعِ ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ هِيَ الْهَيْئَةُ الْعَارِضَةُ لِلَّفْظِ بِاعْتِبَارِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِ الْحُرُوفِ عَلَى بَعْضٍ وَاللُّغَةُ هِيَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا مَادَّةُ اللَّفْظِ ، وَجَوْهَرُ حُرُوفِهِ بِقَرِينَةِ انْضِمَامِ الصِّيغَةِ إلَيْهَا وَالْوَاضِعُ كَمَا عَيَّنَ حُرُوفَ ضَرَبَ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الْمَخْصُوصِ عَيَّنَ هَيْئَتَهُ بِإِزَاءِ مَعْنَى الْمُضِيِّ ، فَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ إلَّا بِوَضْعِ الْمَادَّةِ وَالْهَيْئَةِ فَعَبَّرَ بِذِكْرِهِمَا عَنْ وَضْعِ اللَّفْظِ وَعَبَّرَ عَنْ التَّقْسِيمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ