( فَصْلٌ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ يَجِبُ إجْمَاعًا فِيمَا شَاعَ فَسَكَتُوا مُسَلِّمِينَ ، وَلَا يَجِبُ إجْمَاعًا فِيمَا ثَبَتَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمَا ) ، وَهُوَ مَا لَمْ يُعْلَمْ اتِّفَاقُهُمْ ، وَلَا اخْتِلَافُهُمْ .
( فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَرْفَعْهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ ، وَفِي الِاجْتِهَادِ هُمْ وَسَائِرُ الْمُجْتَهِدِينَ سَوَاءٌ ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ .
( وَعِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ يَجِبُ لِقَوْلِهِ: عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ إنْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ } { اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي } ) تَمَامُ الْحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ .
( وَلِأَنَّ أَكَثَرَ أَقْوَالِهِمْ مَسْمُوعٌ مِنْ حَضْرَةِ الرِّسَالَةِ ، وَإِنْ اجْتَهَدُوا فَرَأْيُهُمْ أَصْوَبُ ؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا مَوَارِدَ النُّصُوصِ وَلِتَقَدُّمِهِمْ فِي الدِّينِ ، وَبَرَكَةِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَوْنِهِمْ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ ، وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ يَجِبُ فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ إلَّا السَّمَاعُ أَوْ الْكَذِبُ .
وَالثَّانِي مُنْتَفٍ لَا فِيمَا يُدْرَكُ ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالرَّأْيِ مِنْهُمْ مَشْهُورٌ ، وَالْمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ، وَيُصِيبُ ، وَالِاقْتِدَاءُ فِي الْبَعْضِ بِمَا ذَكَرْنَا ) أَيْ: الِاقْتِدَاءُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِأَنْ نُقَلِّدَهُمْ ، وَنَأْخُذَ بِقَوْلِهِمْ ( وَفِي الْبَعْضِ ) أَيْ: فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ( بِأَنْ نَسْلُكَ مَسْلَكَهُمْ ) أَيْ: فِي الِاجْتِهَادِ ( وَنَجْتَهِدَ كَمَا اجْتَهَدُوا ) ، وَهَذَا اقْتِدَاءٌ أَيْضًا ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ } .
( وَأَيْضًا كُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ يَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ، وَأَمَّا التَّابِعِيُّ فَإِنْ ظَهَرَ فَتْوَاهُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ كَالصَّحَابِيِّ عِنْدَ الْبَعْضِ ؛ لِأَنَّهُمْ بِتَسْلِيمِهِمْ إيَّاهُ