( بَابٌ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَهْلِيَّتِهِ لِلْحُكْمِ ، وَهِيَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْعَقْلِ قَالُوا: هُوَ نُورٌ يُضِيءُ بِهِ طَرِيقٌ يُبْتَدَأُ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ دَرْكُ الْحَوَاسِّ فَيَتَبَدَّى الْمَطْلُوبُ لِلْقَلْبِ أَيْ نُورٌ يَحْصُلُ بِإِشْرَاقِ الْعَقْلِ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ مِنْ أَوَائِلِ الْمَخْلُوقَاتِ فَكَمَا أَنَّ الْعَيْنَ مُدْرِكَةٌ بِالْقُوَّةِ فَإِذَا وُجِدَ النُّورُ الْحِسِّيُّ يَخْرُجُ إدْرَاكُهَا إلَى الْفِعْلِ فَكَذَا الْقَلْبُ ) أَيْ النَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ مَعَ هَذَا النُّورِ الْعَقْلِيِّ وَقَوْلُهُ ( طَرِيقٌ يُبْتَدَأُ بِهِ فَابْتِدَاءُ دَرْكِ الْحَوَاسِّ ارْتِسَامُ الْمَحْسُوسِ فِي الْحَاسَّةِ الظَّاهِرَةِ وَنِهَايَتُهُ ارْتِسَامُهُ فِي الْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ ، وَحِينَئِذٍ بِدَايَةُ تَصَرُّفِ الْقَلْبِ فِيهِ بِوَاسِطَةِ الْعَقْلِ بِأَنْ يُدْرِكَ مِنْ الشَّاهِدِ أَوْ يَنْتَزِعَ الْكُلِّيَّاتِ مِنْ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَحْسُوسَةِ ، وَلِهَذَا التَّصَرُّفِ مَرَاتِبُ: اسْتِعْدَادُهُ لِهَذَا الِانْتِزَاعِ ثُمَّ عِلْمُ الْبَدِيهِيَّاتِ عَلَى وَجْهٍ يُوصِلُ إلَى النَّظَرِيَّاتِ ثُمَّ عِلْمُ النَّظَرِيَّاتِ مِنْهَا ثُمَّ اسْتِحْضَارُهَا بِحَيْثُ لَا تَغِيبُ وَهَذَا نِهَايَتُهُ ، وَيُسَمَّى الْعَقْلَ الْمُسْتَفَادَ وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ ) اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعْرِيفِ الْعَقْلِ أَوْرَدَهُ مَشَايِخُنَا فِي كُتُبِهِمْ ، وَمَثَّلُوهُ بِالشَّمْسِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَتْنِ ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِمَا قَالَهُ الْحُكَمَاءُ ، وَالتَّمْثِيلُ بِعَيْنِهِ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِ الْحِكْمَةِ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْعَقْلَ عَلَى جَوْهَرٍ مُجَرَّدٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِالْبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ وَالصَّرْفِ ، وَقَدْ ادَّعَوْا أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْجَوْهَرُ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقْلُ } فَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهَذَا التَّعْرِيفِ هَذَا الْجَوْهَرُ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ مِنْ