( الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ ، وَهُوَ اتِّفَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي عَصْرٍ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ) بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَيَّدُوا الْإِجْمَاعَ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا عَلَى أَمْرٍ حَتَّى يَعُمَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَغَيْرَهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحْكَامَ إمَّا دِينِيَّةٌ ، وَإِمَّا غَيْرُ دِينِيَّةٍ كَالْحُكْمِ بِأَنَّ السَّقَمُونْيَا مُسَهِّلٌ فَإِنْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى مِثْلِ هَذَا أَوْ لَمْ يَقَعْ فَهُمَا سَوَاءٌ حَتَّى إنْ أَنْكَرَهُ أَحَدٌ لَا يَكُونُ كُفْرًا بَلْ يَكُونُ جَهْلًا بِهَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ أَوْ لَمْ يَقَعْ ، أَمَّا الْأَحْكَامُ الدِّينِيَّةُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ شَرْعِيَّةً ، أَوْ غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ .
وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَا ذَكَرْتُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ مَا لَا يُدْرَكُ لَوْلَا خِطَابُ الشَّارِعِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِدْرَاكُهُ إمَّا بِالْحِسِّ أَوْ بِالْعَقْلِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفِيدُ الْيَقِينَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ أَمْرًا حِسِّيًّا مَاضِيًا فَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ يَكُونُ إخْبَارًا فَلَا يَكُونُ مِنْ قِسْمِ الْإِجْمَاعِ الْمَخْصُوصِ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الِاجْتِهَادُ بَلْ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْبَارَاتِ ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا حِسِّيًّا مُسْتَقْبَلًا كَأُمُورِ الْآخِرَةِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ مَثَلًا فَمَعْرِفَتُهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ مُخْبِرٍ صَادِقٍ يُوقَفُ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ كَالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَثَلًا فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُسْتَقْبَلِ لَا يُعْتَبَرُ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ لَكِنْ يُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَنْقُولٌ عَمَّنْ يُوقَفُ عَلَى الْغَيْبِ فَرَجَعَ إلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَحْسُوسًا مَاضِيًا ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ فَالْعَقْلُ يُفِيدُ الْيَقِينَ ، فَالدَّلِيلُ هُوَ الْعَقْلُ لَا الْإِجْمَاعُ بِخِلَافِ الشَّرْعِيَّاتِ فَإِنَّ