( وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي أَهْلِيَّةِ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ ، وَهِيَ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ لَيْسَ فِيهِ فِسْقٌ وَلَا بِدْعَةٌ فَإِنَّ الْفِسْقَ فِيهِ يُورِثُ التُّهْمَةَ ، وَيُسْقِطُ الْعَدَالَةَ ، وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ يَدْعُو النَّاسَ إلَيْهَا وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَسَقَطَتْ الْعَدَالَةُ بِالتَّعَصُّبِ أَوْ السَّفَهِ وَكَذَا الْمُجُونُ ) اعْلَمْ أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إمَّا تَعَصُّبٌ ، وَإِمَّا سَفَهٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ وَافِرَ الْعَقْلِ عَالِمًا بِقُبْحِ مَا يَعْتَقِدُهُ ، وَمَعَ ذَلِكَ يُعَانِدُ الْحَقَّ وَيُكَابِرُهُ فَهُوَ الْمُتَعَصِّبُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَافِرَ الْعَقْلِ كَانَ سَفِيهًا إذْ السَّفَهُ خِفَّةٌ ، وَاضْطِرَابٌ يَحْمِلُهُ عَلَى فِعْلٍ مُخَالِفٍ لِلْعَقْلِ لِقِلَّةِ التَّأَمُّلِ وَأَمَّا الْمُجُونُ فَهُوَ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ فَالْمُفْتِي الْمَاجِنُ هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْحِيَلَ .
( وَأَمَّا عَامَّةُ النَّاسِ فَفِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ كَنَقْلِ الْقُرْآنِ ، وَأُمَّهَاتُ الشَّرَائِعِ دَاخِلُونَ فِي الْإِجْمَاعِ كَالْمُجْتَهِدِينَ وَفِيمَا يَحْتَاجُ لَا عِبْرَةَ بِهِمْ ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدِهِمَا: إجْمَاعٌ يُفِيدُ قَطْعِيَّةَ الْحُكْمِ أَيْ: سَنَدُ الْإِجْمَاعِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ بَلْ الْإِجْمَاعُ يُفِيدُ الْقَطْعِيَّةَ .
وَالثَّانِي: إجْمَاعٌ لَا يُفِيدُ قَطْعِيَّةَ الْحُكْمِ بِأَنْ يَكُونَ سَنَدَ الْإِجْمَاعِ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ يُفِيدُ زِيَادَةَ تَوْكِيدٍ ، فَنَقْلُ الْقُرْآنِ وَأُمَّهَاتِ الشَّرَائِعِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ .
وَالْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ لَا يَنْعَقِدُ مَا بَقِيَ مُخَالِفٌ وَاحِدٌ ، وَذَلِكَ الْمُخَالِفُ أَوْ مُخَالِفٌ آخَرُ فِي عَهْدٍ آخَرَ لَا يَكْفُرُ بِالْمُخَالَفَةِ ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ الثَّانِي فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحُكْمَ قَطْعِيٌّ بِدُونِهِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوَافِقْ جَمِيعَ الْعَوَامّ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ حَتَّى لَا يَكْفُرَ الْجَاحِدُ بَلْ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ الْمُخَالَفَةُ حَتَّى