( فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الْعَقْلُ وَالضَّبْطُ وَالْعَدَالَةُ وَالْإِسْلَامُ ) أَمَّا الْعَقْلُ فَيُعْتَبَرُ هُنَا كَمَالُهُ ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِالْبُلُوغِ عَلَى مَا يَأْتِي فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ .
وَأَمَّا الضَّبْطُ فَهُوَ سَمَاعُ الْكَلَامِ كَمَا يَحِقُّ سَمَاعُهُ ثُمَّ فَهْمُ مَعْنَاهُ ثُمَّ حِفْظُ لَفْظِهِ ثُمَّ الثَّبَاتُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُرَاقَبَةِ إلَى حِينِ الْأَدَاءِ ، وَكَمَالُهُ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى هَذَا الْوُقُوفُ عَلَى مَعَانِيهِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَشَرَطْنَا حَقَّ السَّمَاعِ احْتِرَازًا عَنْ أَنْ يَحْضُرَ رَجُلٌ مَجْلِسًا ، وَقَدْ مَضَى صَدْرٌ مِنْ الْكَلَامِ وَيَخْفَى عَلَى الْمُتَكَلِّمِ هُجُومُهُ لِيُعِيدَهُ ، وَهُوَ يَزْدَرِي نَفْسَهُ فَلَا يَسْتَعِيدُهُ .
( وَفَهْمَ الْمَعْنَى ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى حَقِّ السَّمَاعِ فِي قَوْلِهِ: وَشَرَطْنَا حَقَّ السَّمَاعِ( هُنَا لَا فِي الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي نَقْلِهِ نَظْمُهُ فَلِهَذَا يُبَالَغُ فِي حِفْظِهِ عَادَةً بِخِلَافِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنْقَلُ بِالْمَعْنَى حَتَّى وَلَوْ بُولِغَ فِي حِفْظِهِ كَانَتْ كَافِيَةً ؛ وَلِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .
وَالْمُرَاقَبَةَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ ( احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِلتَّبْلِيغِ فَيُقَصِّرُ فِي مُرَاقَبَةِ بَعْضِ مَا أُلْقِيَ إلَيْهِ ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَهِيَ الِاسْتِقَامَةُ ، وَهِيَ الِانْزِجَارُ عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ ، وَأَقْصَاهَا أَنْ يَسْتَقِيمَ كَمَا أُمِرَ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاعْتُبِرَ مَا لَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ ، وَهُوَ رُجْحَانُ جِهَةِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ عَلَى دَاعِي الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ فَقِيلَ إنَّ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ ، وَإِذَا أَصَرَّ عَلَى الصَّغِيرَةِ فَكَذَا .
أَمَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ فَتَامُّ الْعَدَالَةِ فَشَهَادَةُ الْمَسْتُورِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْدُودَةً لَكِنَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ يُقْبَلُ عِنْدَنَا لِشَهَادَةِ