( فَصْلٌ: لَا بُدَّ لِلْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْحُسْنِ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، وَمُهِمَّاتِ مَبَاحِثِ الْمَعْقُولِ ، وَالْمَنْقُولِ ، وَمَعَ ذَلِكَ هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْجَبْرِ ، وَالْقَدَرِ الَّذِي زَلَّتْ فِي بِوَادِيهَا أَقْدَامُ الرَّاسِخِينَ ، وَضَلَّتْ فِي مَبَادِيهَا أَفْهَامُ الْمُتَفَكِّرِينَ ، وَغَرِقَتْ فِي بِحَارِهَا عُقُولُ الْمُتَبَحِّرِينَ ، وَحَقِيقَةُ الْحَقِّ فِيهَا أَعْنِي الْحَقَّ بَيْنَ طَرَفَيْ الْإِفْرَاطِ ، وَالتَّفْرِيطِ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا خَوَاصُّ عِبَادِهِ ، وَهَا أَنَا بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ لَكِنْ أَوْرَدْت مَعَ الْعَجْزِ عَنْ دَرْك الْإِدْرَاكِ قَدْرَ مَا وَقَفْت عَلَيْهِ ، وَوَقَفْت لِإِيرَادِهِ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْحُسْنَ ، وَالْقُبْحَ يُطْلَقَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: الْأَوَّلُ كَوْنُ الشَّيْءِ مُلَائِمًا لِلطَّبْعِ ، وَمُنَافِرًا لَهُ ، وَالثَّانِي كَوْنُهُ صِفَةَ كَمَالٍ ، وَكَوْنُهُ صِفَةَ نُقْصَانٍ ، وَالثَّالِثُ كَوْنُ الشَّيْءِ مُتَعَلِّقَ الْمَدْحِ عَاجِلًا ، وَالثَّوَابِ آجِلًا ، وَكَوْنُهُ مُتَعَلِّقَ الذَّمِّ عَاجِلًا ، وَالْعِقَابِ آجِلًا فَالْحُسْنُ ، وَالْقُبْحُ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ يَثْبُتَانِ بِالْعَقْلِ اتِّفَاقًا أَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ لَا يَثْبُتَانِ بِالْعَقْلِ بَلْ بِالشَّرْعِ فَقَطْ ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا لَيْسَا لِذَاتِ الْفِعْلِ وَلَيْسَ لِلْفِعْلِ صِفَةٌ يَحْسُنُ الْفِعْلُ أَوْ يَقْبُحُ لِأَجْلِهَا عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ عِنْدَهُ فَلَا يُوصَفُ بِالْحُسْنِ ، وَالْقُبْحِ ، وَمَعَ ذَلِكَ جَوَّزَ كَوْنَهُ مُتَعَلَّقَ الثَّوَابِ ، وَالْعِقَابِ بِالشَّرْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ لَا يَقْبُحُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُثِيبَ الْعَبْدَ أَوْ يُعَاقِبَهُ عَلَى مَا لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ لِأَنَّ الْحُسْنَ ، وَالْقُبْحَ لَا يُنْسَبَانِ إلَى أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُ فَالْحَسَنُ ،