وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ حُصُولُ الطَّهَارَةِ وَهِيَ تَحْصُلُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِالطَّبْعِ بِخِلَافِ التُّرَابِ فَلَا يَصِيرُ مُطَهِّرًا إلَّا بِالشَّرْطِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وَهُوَ كَوْنُهُ لِلصَّلَاةِ كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ فِي الْأَسْرَارِ إنَّ كَثِيرًا مِنْ مَشَايِخِنَا يَظُنُّونَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْوُضُوءُ يَتَأَدَّى بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَذَلِكَ غَلَطٌ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ عِبَادَةٌ وَالْوُضُوءُ بِغَيْرِ النِّيَّةِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ لَكِنَّ الْعِبَادَةَ مَتَى لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً سَقَطَتْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِ الْعِبَادَةِ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْجُمُعَةِ بِالْحُصُولِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ تُشْتَرَطَ النِّيَّةُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ ؛ لِأَنَّ التَّطْهِيرَ بِمُجَرَّدِ الْإِصَابَةِ غَيْرُ مَعْقُولٌ أُجِيبُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الطَّهَارَةَ طَهَارَةُ غَسْلٍ فَأُلْحِقَ الْجُزْءُ بِالْكُلِّ وَالْقَلِيلُ بِالْكَثِيرِ وَخُصَّ الرَّأْسُ بِذَلِكَ لِمَا فِي غَسْلِهِ مِنْ الْحَرَجِ .
الثَّانِي أَنَّ الْمَسْحَ خَلَفٌ عَنْ الْغَسْلِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ حُكْمُ الْأَصْلِ وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ النِّيَّةِ .
الثَّالِثُ أَنَّ الْإِصَابَةَ جُعِلَتْ بِمَنْزِلَةِ الْإِسَالَةِ فِي إزَالَةِ الْحَدَثِ وَإِفَادَةِ التَّطْهِيرِ لِمَا فِي الْمُزِيلِ مِنْ الْقُوَّةِ لِكَوْنِهِ مُطَهِّرًا طَبْعًا وَفِي النَّجَاسَةِ مِنْ الضَّعْفِ لِكَوْنِهَا حُكْمِيَّةً بِخِلَافِ الْخَبَثِ فَإِنَّهُ نَجَاسَةٌ حَقِيقِيَّةٌ عَيْنِيَّةٌ وَخَصَّ الرَّأْسَ بِذَلِكَ تَيْسِيرًا وَدَفْعًا لِلْحَرَجِ .
فَإِنْ قِيلَ هَبْ أَنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ بِالْمَاءِ مَعْقُولٌ لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ اسْتِغْنَاءَ الْوُضُوءِ عَنْ النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَارَةٌ عَنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ مَعَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ