قَبْلَ الْبَعْثَةِ لَا يُوصَفُ عِنْدَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيُقَالُ: عَلَى الْمُبِيحِ إنْ أَرَدْت بِالْإِبَاحَةِ أَنْ لَا حَرَجَ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ ، فَلَا نِزَاعَ ، وَإِنْ أَرَدْت خِطَابَ الشَّارِعِ فِي الْأَزَلِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ بَلْ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَا حُكْمَ فِيهِ لِلْعَقْلِ بِحُسْنٍ ، وَلَا قُبْحٍ فِي حُكْمِ الشَّارِعِ .
فَإِنْ اُسْتُدِلَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَبْدَ وَمَا يَنْتَفِعُ فَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي إبَاحَتَهُ لَهُ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ خَلْقِهِمَا وَإِلَّا لَكَانَ عَبَثًا خَالِيًا عَنْ الْحِكْمَةِ ، وَهُوَ نَقْضٌ فَجَوَابُهُ الْمُعَارَضَةُ بِأَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ فَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَالْحِلُّ بِأَنَّهُ رُبَّمَا خَلَقَهُمَا لِيَشْتَهِيَهُ فَتَصِيرَ عَنْهُ فَيُثَابَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِبَاحَةِ عَبَثٌ وَيُقَالُ: عَلَى الْمُحَرِّمِ إنْ أَرَدْت حُكْمَ الشَّارِعِ بِالْحُرْمَةِ فِي الْأَزَلِ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ إذْ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَا مُحَرِّمَ ، وَلَا مُبِيحَ بَلْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرَكْ بِالْعَقْلِ حُسْنُهُ ، وَلَا قُبْحُهُ فِي حُكْمِ الشَّارِعِ ، وَإِنْ أَرَدْت الْعِقَابَ عَلَى الِانْتِفَاعِ فَبَاطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ التَّعْذِيبِ عَلَى مَا صَدَرَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ .
فَإِنْ قُلْت: الْحُكْمُ بِالْحَظْرِ وَالْعِقَابُ عَلَى الِانْتِفَاعِ مُتَلَازِمَانِ فَكَيْفَ جَزَمَ بِبُطْلَانِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ .
قُلْت: الْحُكْمُ بِالْحَظْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِقَابَ لِجَوَازِ الْعَفْوِ ، وَقَدْ يُقَالُ: عَلَى الْمُحَرِّمِ إنَّ عَدَمَ الْحُرْمَةِ مَعْلُومٌ قَطْعًا ، فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ بَحْرًا لَا يُنْزَفُ ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْجُودِ وَأَخْذُ مَمْلُوكِهِ قَطْرَةً مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ تَحْرِيمُهَا ، فَإِنْ اُسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَتَحْرُمُ أُجِيبَ بِأَنَّ حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ