( قَوْلُهُ: بَابُ الِاجْتِهَادِ ) لَمَّا كَانَ بَحْثُ الْأُصُولِ عَنْ الْأَدِلَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِنْهَا الْأَحْكَامُ وَطَرِيقُ ذَلِكَ هُوَ الِاجْتِهَادُ خَتَمَ مَبَاحِثَ الْأَدِلَّةِ بِبَابِ الِاجْتِهَادِ ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ تَحَمُّلُ الْجَهْدِ أَيْ الْمَشَقَّةِ .
وَفِي الِاصْطِلَاحِ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: بَذْلُ الْمَجْهُودِ لِنَيْلِ الْمَقْصُودِ وَمَعْنَى اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ بَذْلُ تَمَامِ الطَّاقَةِ بِحَيْثُ يَحُسُّ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فَخَرَجَ اسْتِفْرَاغُ غَيْرِ الْفَقِيهِ وُسْعَهُ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَبَذْلُ الْفَقِيهِ وُسْعَهُ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ قَطْعِيٍّ ، أَوْ فِي الظَّنِّ بِحُكْمٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ .
وَشَرْطُ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَحْوِيَ أَيْ أَنْ يَجْمَعَ الْعِلْمَ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ: الْكِتَابُ أَيْ الْقُرْآنُ بِأَنْ يَعْرِفَهُ بِمَعَانِيهِ لُغَةً وَشَرِيعَةً أَمَّا لُغَةً فَبِأَنْ يَعْرِفَ مَعَانِيَ الْمُفْرَدَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ وَخُصُوصَهَا فِي الْإِفَادَةِ فَيَفْتَقِرُ إلَى اللُّغَةِ وَالصَّرْفِ وَالنَّحْوِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ بِحَسَبِ السَّلِيقَةِ ، وَأَمَّا شَرِيعَةً فَبِأَنْ يَعْرِفَ الْمَعَانِيَ الْمُؤَثِّرَةَ فِي الْأَحْكَامِ مَثَلًا يَعْرِفُ فِي قَوْله تَعَالَى: { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَائِطِ الْحَدَثُ ، وَأَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ عَنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ بِأَقْسَامِهِ مِنْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُفَسَّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُهُ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ وَذَاكَ عَامٌّ ، وَهَذَا نَاسِخٌ وَذَاكَ مَنْسُوخٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ هَذَا مُغَايِرٌ لِمَعْرِفَةِ الْمَعَانِي وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ قَدْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْعِلْمُ بِمَوَاقِعِهَا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهَا عِنْدَ