( قَوْلُهُ: فَصْلٌ ) لَمَّا ذَكَرَ الْأَهْلِيَّةَ بِنَوْعَيْهَا شَرَعَ فِيمَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِمَا فَيُزِيلُهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ يُوجِبُ تَغْيِيرًا فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِمَا ، وَيُسَمَّى الْعَوَارِضُ جَمْعُ عَارِضٍ عَلَى أَنَّهُ جُعِلَ اسْمًا بِمَنْزِلَةِ كَاتِبٍ ، وَكَاهِلٍ مِنْ عَرَضَ لَهُ كَذَا أَيْ ظَهَرَ ، وَتَبَدَّى ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا عَوَارِضَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ كَمَا يُقَالُ: الْبَيَاضُ مِنْ عَوَارِضِ الثَّلْجِ ، وَلَوْ أُرِيدَ بِالْعُرُوضِ الطَّرَيَانُ ، وَالْحُدُوثُ بَعْدَ الْعَدَمِ لَمْ يَصِحَّ فِي الصِّغَرِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ ثُمَّ الْعَوَارِضُ نَوْعَانِ: سَمَاوِيَّةٌ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِيهَا اخْتِيَارٌ ، وَاكْتِسَابٌ: وَمُكْتَسَبَةٌ إنْ كَانَ لَهُ فِيهَا دَخْلٌ بِاكْتِسَابِهَا أَوْ تَرْكِ إزَالَتِهَا ، وَالسَّمَاوِيَّةُ أَكْثَرُ تَغْيِيرًا ، وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فَقُدِّمَتْ ، وَهِيَ أَحَدَ عَشَرَ: الْجُنُونُ وَالصِّغَرُ وَالْعَتَهُ وَالنِّسْيَانُ وَالنَّوْمُ وَالْإِغْمَاءُ وَالرِّقُّ وَالْمَرَضُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالْمَوْتُ فَالْجُنُونُ اخْتِلَالُ الْقُوَّةِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ ، وَالْقَبِيحَةِ الْمُدْرِكَةِ لِلْعَوَاقِبِ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ آثَارُهَا ، وَبِتَعَطُّلِ أَفْعَالِهَا إمَّا لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ ، وَإِمَّا لِخُرُوجِ مِزَاجِ الدِّمَاغِ عَنْ الِاعْتِدَالِ بِسَبَبِ خَلْطٍ أَوْ آفَةٍ ، وَإِمَّا لِاسْتِيلَاءِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ ، وَإِلْقَاءِ الْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ إلَيْهِ بِحَيْثُ يَفْرَحُ ، وَيَفْزَعُ مِنْ غَيْرِ مَا يَصْلُحُ سَبَبًا .
( قَوْلُهُ: لِمُنَافَاتِهِ ) أَيْ: لِمُنَافَاةِ الْجُنُونِ الْقُدْرَةَ الَّتِي بِهَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إنْشَاءِ الْعِبَادَاتِ عَلَى النَّهْجِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ ، وَبِانْتِفَاءِ الْقُدْرَةِ تَنْتَفِي الْأَهْلِيَّةُ ، فَيَنْتَفِي وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَيَنْتَفِي نَفْسُ الْوُجُوبِ ( قَوْلُهُ: لَكِنَّهُمْ ) قَالُوا الْجُنُونُ إمَّا مُمْتَدٌّ أَوْ غَيْرُ مُمْتَدٍّ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا أَصْلِيٌّ بِأَنْ يَبْلُغَ مَجْنُونًا أَوْ طَارِئٌ بَعْدَ الْبُلُوغِ ،