( قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْإِغْمَاءُ ) اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَعِثُ عَنْ الْقَلْبِ بُخَارٌ لَطِيفٌ يَتَكَوَّنُ مِنْ أَلْطَفِ أَجْزَاءِ الْأَغْذِيَةِ يُسَمَّى رُوحًا حَيَوَانِيًّا ، وَقَدْ أُفِيضَتْ عَلَيْهِ قُوَّةٌ تَسْرِي بِسَرَيَانِهِ فِي الْأَعْصَابِ السَّارِيَةِ فِي أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ ، فَيَنْتَشِرُ فِي كُلِّ عُضْوٍ قُوَّةٌ تَلِيقُ بِهِ ، وَيَتِمُّ بِهَا مَنَافِعُهُ ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى مُدْرِكَةٍ ، وَمُحَرِّكَةٍ ، أَمَّا الْمُدْرِكَةُ فَهِيَ: الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ ، وَالْبَاطِنَةُ عَلَى مَا مَرَّ ، وَأَمَّا الْمُحَرِّكَةُ فَهِيَ الَّتِي تُحَرِّكُ الْأَعْضَاءَ بِتَمْدِيدِ الْأَعْصَابِ أَوْ إرْخَائِهَا لِيَنْبَسِطَ إلَى الْمَطْلُوبِ أَوْ يَنْقَبِضَ عَنْ الْمُنَافِي فَمِنْهَا مَا هِيَ مَبْدَأُ الْحَرَكَةِ إلَى جَلْبِ الْمَنَافِعِ ، وَيُسَمَّى قُوَّةً شَهْوَانِيَّةً ، وَمِنْهَا مَا هِيَ مَبْدَأُ الْحَرَكَةِ إلَى دَفْعِ الْمَضَارِّ ، وَيُسَمَّى قُوَّةً غَضَبِيَّةً ، وَأَكْثَرُ تَعَلُّقِ الْمُدْرِكَةِ بِالدِّمَاغِ ، وَالْمُحَرِّكَةِ بِالْقَلْبِ فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْقَلْبِ أَوْ الدِّمَاغِ آفَةٌ بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ تِلْكَ الْقُوَى عَنْ أَفْعَالِهَا أَوْ إظْهَارِ آثَارِهَا كَانَ ذَلِكَ إغْمَاءً فَهُوَ مَرَضٌ ، وَلَيْسَ زَوَالًا لِلْعَقْلِ كَالْجُنُونِ ، وَإِلَّا لَعُصِمَ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، ثُمَّ الْإِغْمَاءُ فَوْقَ النَّوْمِ فِي إيجَابِ تَأْثِيرِ الْخِطَابِ ، وَإِبْطَالِ الْعِبَادَاتِ ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ حَالَةٌ طَبِيعِيَّةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ حَتَّى عَدَّهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَوَانِ اسْتِرَاحَةً لِقُوَاهُ ، وَالْإِغْمَاءُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَيَكُونُ أَشَدَّ فِي الْعَارِضِيَّةِ ، وَلِأَنَّ تَعَطُّلَ الْقُوَى ، وَسَلْبَ الِاخْتِيَارِ فِي الْإِغْمَاءِ أَشَدُّ ؛ لِأَنَّ مَوَادَّهُ غَلِيظَةٌ بَطِيئَةُ التَّحَلُّلِ ، وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ فِيهِ التَّنْبِيهُ ، وَيَبْطُؤُ الِانْتِبَاهُ بِخِلَافِ النَّوْمِ فَإِنَّ سَبَبَهُ تَصَاعُدُ أَبْخِرَةٍ لَطِيفَةٍ سَرِيعَةِ التَّحَلُّلِ إلَى الدِّمَاغِ فَلِذَا يَنْتَبِهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ ، وَلِقِلَّةِ وُقُوعِ الْإِغْمَاءِ ، وَنُدْرَتِهِ لَا