يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْحَرَجِ ، فَأَقَمْنَا الْبُلُوغَ مَقَامَ دَوَامِ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ سَهْوٍ وَغَفْلَةٍ إقَامَةً لِلدَّلِيلِ مَقَامَ الْمَدْلُولِ فَإِنَّ السَّهْوَ وَالْغَفْلَةَ إنَّمَا يَعْرِضَانِ لِنُقْصَانِ الْعَقْلِ فَإِذَا كَمُلَ الْعَقْلُ بِكَثْرَةِ التَّجَارِبِ عِنْدَ الْبُلُوغِ لَا يَقَعُ السَّهْوُ ، وَالْغَفْلَةُ إلَّا نَادِرًا وَكُلُّ عَمَلٍ صَدَرَ عَنْ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ اُعْتُبِرَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ صَادِرًا عَنْ الْعَقْلِ بِلَا سَهْوٍ وَغَفْلَةٍ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ أَنَّهُ رُبَّمَا يَسْهُو فِي وَقْتٍ مَا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَّ دَوَامَ الْعَمَلِ بِالْعَقْلِ إلَخْ .
وَإِنَّمَا لَمْ نُقِمْ الْبُلُوغَ مَقَامَ الْيَقَظَةِ حَتَّى أَبْطَلْنَا عِبَارَاتِ النَّائِمِ وَكَذَا لَمْ نُقِمْ الْبُلُوغَ مَقَامَ الرِّضَى فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الرِّضَى كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إذْ لَا حَرَجَ فِي دَرْكِ الْيَقَظَةِ ، وَالرِّضَا وَلَا يُحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ مَقَامَهُمَا فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْأُمُورَ الْخَفِيَّةَ الَّتِي يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا تُقِيمُ مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا مَقَامَهَا كَالسَّفَرِ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ أَمَّا الْأُمُورُ الظَّاهِرَةُ فَلَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَقَظَةَ ، وَالرِّضَى دَفْعًا لِشُبْهَةِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ: قَامَ الْبُلُوغُ مَقَامَ اعْتِدَالِ الْعَقْلِ لَوَقَعَ طَلَاقُ النَّائِمِ وَلَقَامَ الْبُلُوغُ مَقَامَ الرِّضَا فِيمَا يَعْتَمِدُ عَلَى الرِّضَا ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ ، وَيَقَعُ طَلَاقُهُ ، قَوْلَهُ ( وَإِذَا جَرَى الْبَيْعُ عَلَى لِسَانِهِ ) أَيْ: لِسَانِ الْخَاطِئِ ( خَطَأً وَصَدَّقَهُ خَصْمُهُ يَكُونُ كَبَيْعِ الْمُكْرَهِ ) .