وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ قَاصِرَةٌ ، وَكُلٌّ مِنْ النَّدْبِ ، وَالْإِبَاحَةِ بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ مِنْ الْوُجُوبِ فَتَكُونُ صِيغَةُ الْأَمْرِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً قَاصِرَةً فِيهِمَا فَيُؤَوَّلُ الْخِلَافُ إلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي النَّدْبِ أَوْ الْإِبَاحَةِ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ لِيَكُونَ مَجَازًا أَوْ مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ لِيَكُونَ حَقِيقَةً قَاصِرَةً فَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ بِجَامِعِ اشْتِرَاكِ الثَّلَاثَةِ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ إلَّا أَنَّهُ فِي الْوُجُوبِ مَعَ امْتِنَاعِ التَّرْكِ وَفِيهِمَا مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ عَلَى التَّسَاوِي فِي الْإِبَاحَةِ ، وَعَلَى رُجْحَانِ الْفِعْلِ فِي النَّدْبِ فَكُلٌّ مِنْ النَّدْبِ ، وَالْإِبَاحَةِ مُقَيَّدٌ بِجَوَازِ التَّرْكِ ، وَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْوُجُوبِ الْمُقَيَّدِ بِامْتِنَاعِ التَّرْكِ فَلَا يَكُونُ جُزْءًا لَهُ لِامْتِنَاعِ تَحَقُّقِ الْكُلِّ بِدُونِ الْجُزْءِ فَالْمُرَادُ بِالْمُبَايَنَةِ امْتِنَاعُ اجْتِمَاعِ الْإِبَاحَةِ ، وَالْوُجُوبِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ لِامْتِنَاعِ صِدْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الْجُزْئِيَّةَ كَالسَّقْفِ ، وَالْبَيْتِ .
فَالْحَاصِلُ أَنَّ لَيْسَ النَّدْبُ أَوْ الْإِبَاحَةُ مُجَرَّدَ جَوَازِ الْفِعْلِ لِيَكُونَ جُزْءًا لِلْوُجُوبِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ بَلْ الثَّلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُتَبَايِنَةٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ جِنْسِ الْحُكْمِ يَخْتَصُّ الْوُجُوبُ بِامْتِنَاعِ التَّرْكِ ، وَالنَّدْبُ بِجَوَازِهِ مَرْجُوحًا ، وَالْإِبَاحَةُ بِجَوَازِهِ عَلَى التَّسَاوِي .
وَلِهَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ مَعْنَى الْإِبَاحَةِ ، وَالنَّدْبِ مِنْ الْوُجُوبِ بَعْضُهُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَاصِرٌ لَا مُغَايِرٌ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ جُزْءًا قَاصِرًا بِالتَّحْقِيقِ ، وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى مَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ لَكِنْ قَرَّرَهُ عَلَى وَجْهٍ يَنْدَفِعُ عَنْهُ الِاعْتِرَاضُ السَّابِقُ ، وَحَاصِلُهُ أَنْ لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِ الْأَمْرِ