فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 1655

( قَوْلُهُ: { لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى } ) أَيْ: إلَّا صَادِرَةً عَنْ غِنًى ، وَالظَّهْرُ مُقْحَمٌ كَمَا فِي ظَهْرِ الْغَيْبِ وَظَهْرِ الْقَلْبِ أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْقُوَّةِ إذْ الْمَالُ لِلْغَنِيِّ بِمَنْزِلَةِ الظَّهْرِ الَّذِي عَلَيْهِ اعْتِمَادُهُ ، وَإِلَيْهِ اسْتِنَادُهُ ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْغِنَى لِأَهْلِيَّةِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ تَارَةً بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ لَا لِنَفْيِ الْوُجُودِ إذْ كَثِيرًا مَا تُوجَدُ الصَّدَقَةُ عَنْ الْفَقِيرِ ، وَتَارَةً بِالْمَعْقُولِ ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ إغْنَاءٌ لِلْفَقِيرِ ، وَلَا يَصِيرُ الْمَرْءُ أَهْلًا لِلْإِغْنَاءِ إلَّا بِالْغِنَى كَمَا لَا يَصِيرُ أَهْلًا لِلتَّمْلِيكِ إلَّا بِالْمِلْكِ وَعَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ ظَاهِرٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الزَّكَاةِ لَيْسَ هُوَ الْإِغْنَاءَ الشَّرْعِيَّ بَلْ الْإِغْنَاءُ عَنْ السُّؤَالِ ، وَيَدْفَعُ حَاجَةَ الْفَقِيرِ ، وَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغِنَى الشَّرْعِيِّ فَلِذَا جَمَعَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَجَعَلَ الْحَدِيثَ دَلِيلًا عَلَى تَوَقُّفِ أَهْلِيَّةِ إغْنَاءِ الْفَقِيرِ عَلَى الْغِنَى ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْإِغْنَاءَ بِصِفَةِ الْحُسْنِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغِنَى الشَّرْعِيِّ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْفَقِيرِ عَدَمُ الصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِ الْفَقْرِ وَالْجَزَعُ عَلَى مَكَايِدِ الْحَاجَةِ فَلَا بُدَّ فِي أَهْلِيَّةِ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْغِنَى الشَّرْعِيِّ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْجَزَعِ الْمَذْمُومِ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ } قُلْت إنْ جَعَلْت هَذَا الْحَدِيثَ نَفْيًا لِلْوُجُوبِ ، فَظَاهِرٌ إذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ عَدَمِ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ إلَّا عَلَى الْغَنِيِّ ، وَبَيْنَ كَوْنِ صَدَقَةِ الْفَقِيرِ عَلَى سَبِيلِ التَّطَوُّعِ أَكْثَرَ ثَوَابًا مِنْهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا أَشَقَّ ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا ، وَإِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت