بِمَعُونَةِ الْقَرِينَةِ .
( قَوْلُهُ ثُمَّ هُوَ سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ ) يُرِيدُ أَنَّ هَاهُنَا وُجُوبًا وَوُجُوبَ أَدَاءً وَوُجُودَ أَدَاءً وَلِكُلٍّ مِنْهَا سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ وَسَبَبٌ ظَاهِرِيٌّ فَالْوُجُوبُ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْإِيجَابُ الْقَدِيمُ ، وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ هُوَ الْوَقْتُ ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِالْفِعْلِ وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَوُجُودُ الْأَدَاءِ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتُهُ وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ وَاسْتِطَاعَةُ الْعَبْدِ أَيْ قُدْرَتُهُ الْمُؤَثِّرَةُ الْمُسْتَجْمِعَةُ لِجَمِيعِ شَرَائِطِ التَّأْثِيرِ فَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ بِالزَّمَانِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلِهَذَا أَيْ وَلِكَوْنِ الْوُجُوبِ جَبْرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِيجَابِ لَا بِالْخِطَابِ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ ، إذْ لَوْ كَانَتْ قَبْلَهُ لَكَانَتْ إمَّا مَعَ الْوُجُوبِ وَهُوَ جَبْرٌ لَا اخْتِيَارٌ فِيهِ ، أَوْ مَعَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ صِحَّةُ الْأَسْبَابِ وَسَلَامَةُ الْآلَاتِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْفِعْلِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ حَيْثُ قَالَ إنَّ السَّبَبَ مُوجِبٌ ، وَهُوَ جَبْرِيٌّ لَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِطْ الْقُدْرَةَ سَابِقَةً عَلَى الْفِعْلِ ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ نَفْسُ الْوُجُوبِ وَهُوَ جَبْرُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ ، أَمَّا فِعْلُ الْأَدَاءِ فَيَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ فَلِذَلِكَ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ .