سِيَاقُ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ كَانَ بِنَفْسِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَمَا نُقِلَ مِنْ إنْكَارِهِمْ بَعْضَ أَخْبَارِ الْآحَادِ إنَّمَا كَانَ عِنْدَ قُصُورٍ فِي إفَادَةِ الظَّنِّ وَوُقُوعِ رِيبَةٍ فِي الصِّدْقِ .
( قَوْلُهُ: وَالْإِخْبَارُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ ) دَلِيلَانِ مُسْتَقِلَّانِ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ تَقْرِيرُ الْأَوَّلِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَتَفَاصِيلِ الْحَشْرِ وَالصِّرَاطِ وَالْحِسَابِ وَالْعِقَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا الِاعْتِقَادَ إذْ لَا يَثْبُتُ بِهِ عَمَلٌ مِنْ الْفُرُوعِ .
وَتَقْرِيرُ الثَّانِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَبِالْعَدَالَةِ تَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى احْتِمَالُ الْكَذِبِ ، وَهُوَ مَعْنَى الْعِلْمِ وَجَوَابِهِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَرَجُّحَ جَانِبِ الصِّدْقِ إلَى حَيْثُ لَا يُحْتَمَلُ الْكَذِبُ أَصْلًا بَلْ الْعَقْلُ شَاهِدٌ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ ، وَأَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ قَائِمٌ ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا وَإِلَّا لَزِمَ الْقَطْعُ بِالنَّقِيضَيْنِ عِنْدَ إخْبَارِ الْعَدْلَيْنِ بِهِمَا .
وَجَوَابُ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي بَابِ الْآخِرَةِ مِنْهَا مَا اُشْتُهِرَ فَيُوجِبُ عِلْمَ الطُّمَأْنِينَةِ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَيُفِيدُ الظَّنَّ وَذَلِكَ فِي التَّفَاصِيلِ وَالْفُرُوعِ ، وَمِنْهَا مَا تَوَاتَرَ وَاعْتُضِدَ بِالْكِتَابِ وَهُوَ فِي الْجُمَلِ وَالْأُصُولِ فَيُفِيدُ الْقَطْعَ .
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ عَقْدُ الْقَلْبِ ، وَهُوَ عَمَلٌ فَيَكْفِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَقْدُ الْقَلْبِ فِي غَيْرِ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ ، وَهُوَ مَعْنَى الْعِلْمِ ، وَقَدْ بُيِّنَ فَسَادُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ إنَّمَا وَرَدَتْ لِعَقْدِ الْقَلْبِ وَالْجَزْمِ بِالْحُكْمِ ، وَفِي غَيْرِهَا لِلْعَمَلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ