جَمِيعًا إذْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ الْعِلْمُ بِالْوَاجِبِ قَبْلَ السُّؤَالِ وَالْبَيَانِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ بَقَرَةٌ مُطْلَقَةٌ ، وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ ، وَالتَّرَدُّدُ إنَّمَا وَقَعَ فِي التَّفْصِيلِ ، وَالتَّعْيِينِ .
( قَوْلُهُ: فِي قَوْله تَعَالَى لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاسْلُكْ ) أَيْ: أَدْخِلْ فِي السَّفِينَةِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْحَيَوَانِ ذَكَرًا وَأُنْثَى ، وَأَدْخِلْ فِيهَا نِسَاءَكَ ، وَأَوْلَادَك ثُمَّ خَصَّ ابْنَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } .
( قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ ) فَذَهَبَ الْبَعْضُ وَجُمْهُورُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهَا تَعُمُّ الْعُقَلَاءَ وَغَيْرَهُمْ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ مَا لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ لَمَا أَوْرَدَ ابْنُ الزِّبَعْرَى هَذَا السُّؤَالَ ، وَهُوَ مِنْ الْفُصَحَاءِ الْعَارِفِينَ بِاللُّغَةِ وَلَمَا سَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَخْطِئَتِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا أَوْرَدَهُ تَعَنُّتًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ أَوْ التَّغْلِيبِ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَعْبُودَاتِهِمْ الْبَاطِلَةِ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْعُقُولِ فَغَلَّبَ جَانِبَ الْكَثْرَةِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّغْلِيبَ أَيْضًا نَوْعٌ مِنْ الْمَجَازِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ { مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَا لِمَا لَا يَعْقِلُ } فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْله تَعَالَى { إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ } لِدَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ لَا لِتَخْصِيصِ الْعَامِّ .
( قَوْلُهُ: وَأَصْحَابُنَا قَالُوا ) إنَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْمُسْتَقِلِّ بَيَانُ تَغْيِيرٍ عِنْدَنَا وَبَيَانُ تَفْسِيرٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ رَدُّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ التَّخْصِيصِ بِالْمُسْتَقِلِّ وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَيَانُ تَفْسِيرٍ ، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي جَوَازِ التَّرَاخِي بِنَاءً عَلَى الِاسْتِقْلَالِ ، وَعَدَمِهِ ، وَأَقْوَالُ