وَإِثْبَاتِهِ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ لَمَا لَزِمَ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ بِنَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ مَا سِوَاهُ ، وَالتَّوْحِيدُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِهَا عَمَّا سِوَاهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ دَهْرِيٌّ ، مُنْكِرٌ لِوُجُودِ الصَّانِعِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَرُجُوعِهِ عَنْ مُعْتَقَدِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمٍ مُخَالِفٍ لِلصَّدْرِ هَذَا تَقْرِيرُ الْحُجَجِ عَلَى وَفْقِ مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ احْتِجَاجًا بِهَا عَلَى أَنَّ عَمَلَ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ ، وَأَنَّهُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ .
وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ حُجَجًا عَلَى إثْبَاتِهِ ، وَأَيْضًا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا نَفْيٌ ، وَالْآخَرُ إثْبَاتٌ بَلْ حُكْمٌ وَاحِدٌ فَقَطْ أَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالصَّدْرِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَعْضِ مِنْهُ ، فَلَا حُكْمَ فِيهِ إلَّا عَلَى الْبَاقِي .
وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ فَلِأَنَّ مَجْمُوعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، وَالْمُسْتَثْنَى وَآلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي ، وَلَا حُكْمَ إلَّا عَلَيْهِ هَذَا ، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُجَّةَ الْأُولَى لَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إعْدَامٌ لِلتَّكَلُّمِ بَلْ قَوْلٌ بِأَنَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً اسْمٌ لِلسَّبْعَةِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْعُدُولُ عَنْ التَّكَلُّمِ بِالْأَخْصَرِ إلَى التَّكَلُّمِ بِالْأَطْوَلِ .